رسائل ايرانية طيبة الى العراق

عادل الجبوري
خلال اسبوع واحد فقط، زارت العراق ثلاثة وفود ايرانية مهمة ورفيعة المستوى.
الوفد الاول، كان برئاسة وزير الصناعة والتجارة الايراني، محمد شريعتمداري، وقد عقد ذلك الوفد لقاءات واجتماعات معمّقة وتفصيلية ومثمرة مع عدد من كبار المسؤولين العراقيين، من بينهم وزراء التخطيط، والكهرباء، والصحة والبيئة.
الوفد الثاني، كان برئاسة رئيس غرفة التجارة والصناعة والمناجم والزراعة الايرانية، غلام حسين شافعي، وقد ضم الوفد اربعين شخصية اقتصادية من خبراء ومستشارين ومستثمرين ورجال أعمال.
أما الوفد الثالث، فقد كان برئاسة النائب الاول للرئيس الايراني، اسحاق جهانغيري، وتألف من وزراء ومستشارين وخبراء في مجالات مختلفة.
للوهلة الاولى، يبدو للمتابع ان المسؤولين الايرانيين الثلاثة، لم يزوروا العراق في وقت متقارب صدفة، بل لابد ان هناك تنسيقا وتوقيتات محسوبة بدقة، وهذا هو الصحيح، ففي مثل هكذا حراك لا يمكن ان يكون للمصادفات مكان وموقع.
يأتي هذا التوافد الايراني النوعي المهم للعراق بعد شهور قلائل من اعلان النصر النهائي والشامل على تنظيم «داعش» الارهابي بعد معارك شرسة وطاحنة معه دامت نحو ثلاثة أعوام ونصف، قدم العراقيون فيها تضحيات كبرى.
وكانت ايران قد ساهمت بفعالية، وفي اطار عناوين وصيغ مختلفة في مواجهة «داعش» في العراق، وكذا في سوريا، فمن ارسال المعونات والمساعدات اللوجستية لقوات الحشد الشعبي والجيش العراقي الى وجود الخبراء والمستشارين العسكريين والامنيين الايرانيين في ميادين القتال، الى مشاركة سلاح الجو الايراني في ضرب اوكار ومخابئ «داعش» وتأمين الغطاء الجوي للقوات العراقية على الارض، الى التعاطي السياسي والاعلامي الايجابي مع العراق وهو يتصدى للدواعش ويقدم الارواح والدماء في سبيل الدفاع عن الحرمات والمقدسات.
وطبيعي ان من كان حاضرا وموجودا في أوقات الحرب العصيبة، لابد ان يكون موجودا في مرحلة البناء الاعمار بعد ان اندحرت عصابات «داعش»، ووضعت الحرب اوزارها، ومثلما قال نائب الرئيس الايراني اسحاق جهانغيري من بغداد «ان إيران أظهرت في سياق مكافحة الشعب العراقي للدواعش، انها لا تنفصل عن العراق أبدا، واليوم في زمن إعادة الإعمار مازالت مستعدة أن تكون الى جانب العراق حكومة وشعبا، لأننا نعد أمن ورفاهية العراق من أمن ورفاهية إيران».
وقد دعا العراق على لسان رئيس وزرائه حيدر العبادي، ومسؤولين كبار، المجتمع الدولي الى دعمه ومساندته في مرحلة اعادة الاعمار والبناء، من أجل محو الاثار والتبعات الكارثية لعصابات «داعش» الارهابية، التي خلفت دمارا واسعا في البنى التحتية والمرافق الحيوية، وظروفا حياتية صعبة جدا لاعداد هائلة من الناس. ولعل ايران من بين اولى الدول التي استجابت وابدت استعدادها لتقديم كل ما يمكن تقديمه للعراق في شتى المجالات، وهذا الموقف هو في واقع الأمر ترجمة وتعزيزا لمجمل مواقفها الايجابية الداعمة للعراق طيلة الأعوام الخمسة عشر الماضية.
وللعلم فإن زيارة نائب الرئيس الايراني الأخيرة، كانت الاولى بعد الانتصار على «داعش»، اذ انه كان قد زار العراق في النصف الثاني من شهر تشرين الثاني الماضي.
وجاء الحراك الايراني الكبير والمهم حيال العراق، بعد أقل من شهر واحد على انعقاد المؤتمر الدولي لإعمار العراق «12 شباط 2018» في الكويت بمشاركة مئات الشركات والمؤسسات الاقتصادية والمالية، ورجال الاعمال والمستثمرين من نحو مائة وخمسين دولة.
وحصل العراق على تعهدات ووعود بقروض ومنح واستثمارات وصلت الى ثلاثين مليار دولار، ولعل ايران من خلال حراكها الاخير سبقت كل الدول في السعي لتفعيل ما تعهدت به، سواء في اطار مؤتمر الكويت أو خارجه، علما انها أعلنت من الكويت مساهمتها بمبلغ ملياري دولار لدعم مشاريع اعمار العراق.
وهناك اليوم شركات ايرانية تعمل في العراق بقطاعات الاسكان والطاقة والزراعة وانتاج السيارات والمواد الغذائية والسلع المنزلية وغيرها، ويؤكد مسؤولون من كلا البلدين ان حجم المبادلات التجارية السنوية بينهما ناهز السبعة مليارات دولار، مع وجود مساع وتخطيط لرفع مستوى تلك المبادلات الى اكثر من خمسة عشر مليار دولار بحلول عام 2020.
وبعد لقائه جهانغيري في بغداد، قال العبادي لوسائل الاعلام: «امامنا فرصة للعمل المشترك في إرساء السلام والاستقرار وإنهاء النزاعات المسلحة في المنطقة على أساس التعاون واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وأن المباحثات مع الجانب الايراني شملت التجارة وترسيم الحدود وشط العرب والمياه والتعاون الاقتصادي والتجاري وتحويل الاموال، وأن هناك نقاشاً بين الوفدين والمختصين لمتابعة ذلك».
في الوقت عينه، فإن نائب الرئيس الايراني اطلق من خلال تصريحاته رسائل ايجابية طيبة، حينما قال: «العراق حكومة وشعبا تمكن بعون الله من تحقيق النجاح والخروج من الأزمات مرفوع الرأس، بفضل الإعتماد على المرجعية الدينية وقيادته القويمة والحنكة السياسية التي يتمتع بها ودستوره الراقي، وان جميع القوميات والمذاهب والتيارات السياسية العراقية تهدف الى تحقيق الوحدة والإنسجام في العراق، وان هذا العامل يعد دافعا قويا في تقدم العراق نحو الأمام ودحر الإرهاب».
ويؤكد جهانغيري في موضع آخر: «الجمهورية الإسلامية الإيرانية كانت دوما الى جانب الحكومة والشعب العراقي في الظروف الصعبة، كما كانت الى جانبه في مسار تحقيق النصر». ولا شك ان التحديات والمخاطر التي تواجهها المنطقة، وبقاء بعض الملفات مفتوحة، وبروز توجهات ومخططات أميركية جديدة لاغراق دول المنطقة في المزيد من الفوضى والاحتراب، تحتم على كل من ايران والعراق، التواصل والتعاون والتنسيق بما يساهم في تقويتهما معا، وفي افشال واحباط تلك المخططات والمشاريع التخريبية، حتى يظهر «داعش» بمسميات ومظاهر وأشكال وشعارات اخرى.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.