حاجة البلاد إلى بيئة اقتصادية

ليس بالأمرِ المفاجئ القول إنَّ السوقَ المحلي ما يزال يعاني مِنْ غياب المنتج المحلي؛ جراء افتقاره إلى عاملِ المنافسة مع السلعِ والبضائع المستوردة مِنْ مختلفِ دول العالم، وَالَّتِي يجري ترويجها بشكلٍ واسع فِي أسواقنا، عَلَى الرغمِ مِنْ سلبيةِ آثار بعضها في ميزانيةِ المستهلك، وربما الإضرار بصحته والمساهمة فِي تلويثِ البيئة المحيطة به. يضاف إلى ذلك ما أفرزته المنتجات المستوردة مِنْ عواملٍ موضوعية أفضت فِي نهايةِ المطاف إلى التسببِ فِي تعريضِ الاقتصاد الوطني لخسائرٍ كبيرة؛ بالنظرِ لركونِ الكثير مِن التجار إلى سلوكياتِ عملٍ بعيدة عَنْ أخلاقياتِ مهنة التجارة، ترتب عليها الإيغال فِي توريدِ سلع وعرض بضائع رديئة الصنع، فضلاً عَنْ عدمِ خضوع أغلبها لآلياتِ الفحصِ والمراقبة. وأدهى مِنْ ذلك هو قناعة القيادات الإدارية بتوفرِ الإمكانيات البشرية الوطنية القادرة عَلَى إنتاجِ الكثير مِنْ تلك المنتجات بنوعيةٍ جيدة محلياً فِي حالِ توفر الدعم الحكومي الَّذِي مِنْ شأنِه المساعدة بإعادةِ البريق للخطوطِ الإنتاجية الموجودة فِي مصانِعنا، وَالَّتِي ما تزال أغلب معداتها وأجهزتها متوقفة عَن العمل، ومكائنها يتزايد الصدأ فِي وحداتها وأقسامها بفعلِ تراجع فعاليات الصِناعَة الوطنية، وإخفاق منتجاتها فِي منافسةِ المعروض مِن السلعِ والبضائع المستوردة؛ لأسبابٍ قاهرة، لعل مِنْ أهمِها النقص الشديد بإمداداتِ الطاقة الكهربائية، إلى جانبِ ارتفاع تكاليف الانتاج بسببِ ارتفاع كلف المواد الأولية الداخلة فِي عملية الإنتاج، وَالَّذِي يعكس الاهمال المتواصل للقطاعات الصناعية الحيوية كافة.
ليسَ خافياً أَنَّ مهمةَ بلوغ التنوع فِي ايراداتِ قانون الموازنة العامة، تُعَدّ مِنْ أبرزِ الصعوبات الَّتِي يعاني الاقتصاد العراقي مِنْ سلبيةِ آثارها؛ إذ ما يزال الريعَ الأحادي يُشكل أبرز التحديات الموروثة الَّتِي تلقي بسعةِ ظلالِها عَلَى الاقتصادِ الوطني، وتعمل عَلَى تغذيةِ مفاصله. وهو الأمر الَّذِي يجعلنا نتيقن مِنْ عدمِ إمكانية التعويل عَلَى إنتاجيةِ القِطاعات الاقتصادية الأخرى بصورتِها الحالية فِي تحقيقِ عملية التنمية الاقْتِصَادية والاجْتِمَاعِية؛ جراء هامشيةِ النمو الاقتصادي لجميعِ القِطاعات الإنتاجية غير النفطية، فضلاً عن انحسارِ الكثير مِنْ أنشطتها، وتراجعِ أو انهيار القاعدة المادية لبعضِها الآخر، ما أفضى إلى فتحِ الباب واسعاً لهيمنةِ إيرادات القِطاع النفطي عَلَى مهمةِ بناء الدخل.
إنَّ مهمةَ الانتقال بالاقتصاد الوطني مِنْ النظامِ الشمولي إلى آلياتِ اِقْتِصاد السوق مثلما أقرها الدستور العراقي، لم تفضِ إلى تعزيزِ دور القِطاع الخاص فِي المشاركةِ الفاعلة بالناتجِ المحلي الإجمالي؛ إذ يغلب الضعف على جميع مفاصله بسببِ محدودية تأهيلها أو انعدامها. بالإضافةِ إلى تقادمِ مشكلة توقف أغلب مشروعات القِطاع العام، ولاسيَّما الَّتِي يشار إليها باسمِ الاستراتيجية مِنْ دونِ شمولِها بمعالجاتٍ واقعية، ما أدى إلى استباحةِ السوق المحلي عَلَى خلفيةِ فتح الحدود على مصراعيها أمام مختلف السلع والبضائع الأجنبية الَّتِي لا تخضع لأدنى درجات الفحص والمراقبة.
خلاصة القول إنَّ النشاطَ الاقتصادي فِي البلاد، ما يزال بحاجةٍ إلى وضعِ خططٍ واستراتيجيات طويلة المدى مِنْ أجلِ النهوض بقِطاعاته الحيوية مجددا والمساهمة فِي تحقيقِ مهمة التنويع الاقتصادي، فضلاً عَنْ ضرورةِ اهتمام الحكومة بدعمِ المنتجات الوطنية؛ لأجلِ إتاحةِ إمكانية إنتاج الكثير مِن الموادِ الَّتِي يجري تأمينها حالياً بوساطةِ الاستيراد ما يفرض عَلَى إدارةِ التجارة ايلاء دور واسع لعمليةِ التبادل التجاري بما يخدم تحقيق النُموّ الاِقتِصادي.
فِي أمَانِ الله

لطيف عبد سالم

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.