فوبيا ايران .. الأسباب والنهاية

د. علي رضا عنايتي
كثر الحديث ـ خلال المدة الاخيرة ـ عن موضوع غريب ومرير، يترنح ويتراوح بين تصديق البعض والتكذيب، وذلك بعدما انتهى مفعول شعار المد الصفوي الذي تم تسويقه لسنوات، ألا وهو الحديث المكثف عن هيمنة ايران على المنطقة واستيلائها على عواصم عدة فيها وإحيائها امبراطورية فارس.
ان المحاولة في اسناد قول بعض المتابعين للشأن الايراني وإثباته في هيمنة ايران على المنطقة وإحياء امبراطورية فارس، قد لا تؤتي ثمارها نتيجة لعدم الاكتراث لمصادر تلي الأقوال ودلالاتها.
ولو تيسّر الأمر لعلم أن ما صدر من قول أو كلام أو تصريح في امبراطورية إيران أو استيلاء إيران على عواصم عدة، صدر على لسان أشخاص ليست لهم أية صفة رسمية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية ولا يعد كلامهم موقفا رسميا في سياسة ايران الخارجية، فضلا عن الايحاء في ضعف دلالة كلامهم الناجمة عن تقطيع مقصود أو ترجمة ناقصة أو تبسيط في الفهم في المضمون، كما اننا لا ننسى ان هناك جهات دخيلة تروّج مثل هذا القول بقوة في تحقيق أغراض أخرى سياسية أو أمنية لتسويق مبدأ «إيران فوبيا» وخلق العدو الوهمي وزرع النفور والخلاف والفرقة والشقاق بين إيران وجاراتها.
ومنها ما صرّح به نائب الرئيس الاميركي مؤخرا أمام لجنة الشؤون الاميركية ـ الاسرائيلية «ايباي» ان ايران تسعى لإعادة تشكل امبراطوريتها الفارسية.
ان الجمهورية الإسلامية الإيرانية قد ايدت على لسان كبار مسؤوليها انها لا تبحث عن إمبراطوريات ولا الهيمنة، وهذا في قول صريح لفخامة الرئيس د. روحاني خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثانية والسبعين بتاريخ 20 ايلول 2017 ان إيران لا تريد إحياء إمبراطوريتها التاريخية ولا تريد فرض رؤيتها بالسيوف، وأيد في هذا الخصوص رئيس مجلس الشورى الإسلامي علي لاريجاني ان زمن الإمبراطوريات قد ولى الى غير رجعة، وان الجمهورية الإسلامية الإيرانية ليست بصدد أمجاد الامبراطورية الفارسية (23 شباط 2018) ولم توسع أرضا ولم تتعدَ على أحد من جيرانها.
كما ان وزير خارجية ايران د. ظريف أيّد في كثير من المناسبات والندوات ومنها مؤتمر حول «تاريخ إيران وعلاقاتها مع دول الجوار» على ان ادعاء محاولة إيران إحياء إمبراطوريتها القديمة ادعاء باطل، وصرح خلال مؤتمر ميونيخ للأمن بأن إيران لا تريد أن تهيمن على الإقليم وتبسط يدها على دوله، بل تنظر الى تشابك المصالح بين الدول من خلال العمل الجماعي ومن ضمن الشبكة الأمنية المتكاملة بين أبنائها.
ان الاستقرار في الإقليم لا يأتي بتدخلات أجنبية بل يأتي في ظل عمل إقليمي متكامل، وفي هذا العمل الإقليمي المتكامل تحظى كل دولة بالسيادة والاحترام المتبادل وحق تقرير المصير وإن إيران جاهزة لأن تعلن قبل غيرها بتعهداتها وإيفاء مسؤولياتها بهذا الشأن. ولا ضير في التأكد من ان الكلمات والعبارات والتصريحات غير الرسمية لا يمكن اعتمادها وتبنيها والاستناد إليها في استجلاء مواقف الدول، ويتم التجاهل والتغافل عما يصدر على لسان كبار المسؤولين الذين تحظى أقوالهم بوثاقة ورسمية من رئيس الجمهورية الإسلامية ورئيس البرلمان ووزير الخارجية.
إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا تجد نفعا في أدب الهيمنة اطلاقا بل هي ترفض ممارسات البعض في هذا المجال ولا تقبل في رؤيتها الاقليمية فرض السيطرة بالحروب والسيوف ولا تعتقد بالرابح والخاسر، أو المهزوم والمنتصر في القضايا الاقليمية، بل تؤكد مبدأ ربح ـ ربح في تيسير جميع قضاياها وتحقيقها من نافذة الحوار.
إن ما تعتقده إيران وتقوله رسميا ينبع من دولة مسؤولة تلتزم بما يلتزم به غيرها من الأصول والمبادئ الدولية، من احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها والاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون الغير وعدم اللجوء الى القوة، كما انها تبحث عن الشراكة المستديمة مع جيرانها للرقي التجاري والازدهار الاقتصادي، وترى ان البحث على تأمين المصالح من خلال الهيمنة والاستيلاء أصبح شيئاً من الماضي.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.