أمريكا .. عالم يسكنه الرعب .. أزمات وحروب .. أحلام وأوجاع

محمّد لواتي
الأزمة الأميركية فتحت عيون العالم كله على المُمارسات الإرهابية التي تمارسها أميركا، مالياً، واقتصادياً، وسياسياً وعسكرياً ضد دول لها سيادتها ومناهجها الفكرية والحضارية .. إن سقوط الأوثان الأميركية في الشرق الأوسط ليس ضربة قاضية لسياستها التي جنحت بها إلى الفساد الأخلاقي والإنساني، بل ضربة ضد منظومة فكرية صاغتها مجموعة من المُتطرّفين، والمُنظّرين لقوى الشر باسم المسيحية أحياناً، والحرية والديمقراطية أحياناً أخرى.
اتفاق كل دول العالم، بسياسييه ومُفكّريه، أن العالم في بداية التشكيل من جديد، وفق رؤية جديدة، تختلف جذرياً عن رؤية الولايات المتحدة الأميركية.. أي بعيداً عن مفهوم الدولة الكونية، وباتفاق أولئك جميعهم – ما عدا أميركا وإسرائيل- إن العالم لم يعد أحاديّ القطب، وبتأكيد الجميع، فإن الأزمة السياسية التي تعيشها أميركا مع دونالد ترامب والأزمات المُصاحِبة لها، هي أزمة قد تؤدّي إلى حربٍ تجاريةٍ أو إلى حروبٍ دموية، غير التي عليها العالم اليوم، وأن ما خسرته أميركا فيها هو- بالتأكيد – ما تخسره إسرائيل، فالأولى دولة رأسمالية متوحّشة وبافتراق الرؤى بين البيت الأبيض والبنتاغون، والثانية قاعدة عسكرية أميركية برؤية توراتية ضارِبة في عُمق الوهم بكل سيئاته.. الوهم بالسيطرة على العالم العربي من خلال افتعال الأزمات وما يقودها من أفكار قاتِلة.
والكل فيهم بالتأكيد مارسوا خلال العشرين سنة الماضية بطريق استغراقي الممارسات الوثنية في مجرى الفوضى العسكرية وبأنهار من الدماء.. إن تحرّك العالم باتجاه بوصلة السلام من خلال محاولات إعادة البناء والترميم لنظامٍ مُتعدّد الأقطاب بقيادة روسيا، والصين، هو تحرّك أملته الظروف المُتآكلة التي يعيشها العالم اليوم، في ظل سياسة دونالد ترامب (المُتّسم بالجنون وبالعنصرية حسب توصيف الإعلام الأميركي) حتى صار ينظر من وراء الزجاج فقط لسياسته (شرق أوسطية) وهي تنهار بحلقاتها الواحدة تلوى الأخرى بما في ذلك أعرقها «السعودية» والتي تُمثّل رمزاً من رموز أميركا في الحروب بالوكالة. وفي التفتيت المُتتالي للقضية الفلسطينية..
صحيح أن أميركا هي أكبر دولة، وهي الأولى اقتصادياً، وإعلامياً ومالياً، لكن التفوّق هذا لا يمنحها حق التصرّف في السياسة الدولية على وفق منظور الخطأ الدائِم خاصة في موقفها من سيادة الدول، ومن ثقافتها. ذلك أن العالم مُتعدّد الثقافات ومتنوّع الأفكار، وما كان صائباً في الرؤى الأميركية، فهو بالتأكيد خاطئ في الرؤى الأخرى، طالما أن المصالح الخاصة لكل دولة هي أساسيات وجودها. وإن العولمة ما هي إلا إيديولوجية إرهابية بطابع الهيمنة، وقد جاءت بهذا المنطق بعد مقولة «فوكو ياما» «نهاية التاريخ» إثر سقوط الاتحاد السوفياتي.
إن التفكير الناشئ من فوهة البندقية هو أيضاً تفكير ينطوي على أفكارٍ ليست بالضرورة هي من ضمن الحلول لواقع عالمي مُتشابك ومُتناقض بل وغير متوازِن في كثير من الأفكار وخاصة تلك التي تطرحها العولمة على وجه الخصوص.
– وفقاً لذلك الخطأ كله – إلى مبادئها ونتائجها الأحادية المصدر أيضاً، إنه بناء يبدو من الوهلة الأولى مُتداخلاً ومبنياً على الفوضى وناشراً لها. وهذا ما عبّر عنه بوش الابن بوجه آخر بـ»الفوضى الخلاّقة..» وحاولت تطبيقها كوندوليزا رايس بإعلان الحرب إسرائيلياً على حزب الله لكنها وقعت في الفخّ وانهارت معه نظرية «الشرق الأوسط الجديد».. صحيح أنه أراد توصيف العالم من خلال الأخطاء التي تحكم الرأسمالية، قصْد التحكّم في طبقات المجتمع إلا أنه وقع في «الفوضى الخلاّقة» التي أرادها لغيره .. ثم إن تكسير الواقع من خلال مبدأ تشطير المجتمعات المنضوية تحت لواء الدولة كظاهرة قانونية هو بداية الانجراف نحو التعطيل المُبرمَج للمؤسسات التي تسيّره بنظرة أحادية عالمياً، كما هي الحال بالنسبة للنظام التجاري الذي بدأت معالم انهياره مؤخراً مع قانون فرض الضريبة على الحديد والألمنيوم المستوردين وقد يؤثّر سلباً على كل الدول، فهل بإمكان الرأسمالية الصمود أمام هذا الإعصار أم المخرج منه هو نظام دولي مُتعدّد الأقطاب بديل تشترك فيه دول العالم. وبالتالي عالم مُتعدّد الأقطاب خالٍ من الهيمنة الأميركية، وبالتالي أيضاً نهاية الوصاية الأميركية على الاقتصاد العالمي وعلى السياسة الدولية التي تنتهجها أميركا ؟.
واضح أن عالمنا اليوم دخل مرحلة جديدة، مرحلة التفكّك، أو على الأقل ساعة المواجهة مع الواقع فضلاً عن ساعة الامتحان الذي هو فيه.. أزمة سياسية عالمية مُدمّرة تتخبّط فيها أميركا مع روسيا، والصين، وكوريا الشمالية، وإيران وقد تلتحق بهم أوروبا، أزمة سياسية متعدّدة الوجوه ولكنها قد تقود إلى تغيير الكثير من المفاهيم لصالح المُناهضين لسياسة أميركا، وحتى خارطة ما يُعرَف بالأحادية القطبية. لقد ذهبت الولايات المتحدة الأميركية إلى تبني فكرة صِدام الحضارات تحت غطاء مُحاربة الإرهاب. وذهبت معها دول إلى تثبيت هذا المفهوم في واقعها السياسي.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.