دُخان

صالح جبار خلفاوي

عِبَر سَنواتِ لُا تعدْ تَغْفو طُقُوس شَكَلتْ مَسافَةً تَبتَعِد تَقتَرِبْ مِن حَافَاتٍ لاحَدودَ لها .. رَهبَةً تَنَتصِب في الَحوشْ تَحتَ سَماءَ وَاسِعةْ
بَعدَ مَسارٍ طَويِل تَلبَّسَني اِحسَاسٍ مُبهَم .. تَعَابِيرَ مُشَوهَة تَبَعثُ على الحُزنِ غَطَسَت في سُحَنةِ العَجُوز الَورِعَة .. قَبلَ أن تَرحَل فَكَرَتْ بِأنَ عَليها نِذرُ .. تَقومُ بِأيقادِ الشَموع على خَشبةٍ صَغيرةٍ أمَامَ أكَتافَ ( الكرب ) الخَشِنة .
شَعرتُ أن أصَاِبعَ قَدمي بَارِدة مُتيبِسةْ .. اِحتَجتُ مَزيداً مِن الهَواءْ .. قَلبي يَخفقُ بِشّدة .. التَعبُ الشّدِيد يَتمَرى في جَسَدي النَاحِل رَغمَ كُلَ شَيءٍ كُنتُ أستَمِعَ لِما يَقولُ :
كُلمَا أَمُرُ أرَى في عَينيكَ تَعبِيراً للِطَاعَة !
الَرايَةُ الخَضراءِ تَنتَصِبُ على جِدار عَالٍِ .. تُرفْرِفُ في الريح .. عَكِسَتْ أَطيَافاً شَبَحيةٍ .. دَاهَمنيْ دَوَّارُ .. اِعَتادَ الوَلدُ الكَبير في الَتحُدثُ عَن ضَرورةِ المُغادرَة ..
تَتكَدسُ حُزم الضَوءِ بِارتِخاءٍ على الحَائِطِ المُقابِل لِتكشفَ حَلقةِ مُتصِلةْ فَوقَ الظِلِ المَرسُوم بِشكلِ لَوحٍ رَمادِي يَشمِخُ فَوقَ تُرابٍ نَدي يَميلُ إلى اللَونُ البُّني ..
مُذْ رَحِلت المَرأةِ الُمسنِة عَانيتُ الفَراغُ الذي جَعلَني أتحَولُ سَحابةُ دُخاناً أبَيض.. َينتابُني شُعورُ البَردْ أتَكومُ جِوارَ نَخلَة .. تَتَسلقُ أعَشابَ أصَابِعي .. تَرتجِفُ على فُتاتِ الحِجارَةُ المَرصُوفة حَولَ الغُرفِ الرَابِضةْ بِهدوءٍ غَيرَ َمعهُودٍ.. يَضيقُ المَمرَ بَعدَ المُنعطفِ عِندَ الزَاويةَ البَعيدةِ .. يَنفتحُ الفَضاءُ على الدَرجِ الذي نَمتْ في أحَشائِهِ بَصماتُ أقَدامِنا المُنهكةِ ..
كِبَرُ سَني حَّدَّ مِن البَصر .. لَكِني مُتأكِد اِنّ النَخلةُ مازَالتْ مَوجُودة حَيثُ زَرَعتَهَا قَبلَ أرَبعينَ عَاماً .. حَملتُها دَاخِلي مُشكاةٍ لاتَعرِفَ الإعياءِ ..
دَمَي لايسَري في عُروقي بِصورةٍ صَحيحةْ .. لَكِنِ اللَيلةَ حِينَما َارادَ الجَمِيعُ المُغادَرةِ بَعدَ أنْ أصَروا على ضَرورةِ اِخلاءِ الدَارْ .. ِاحتَجزوا دَاخِلي اِنحيازاً يدورُ في رِهابِ أمَاكِنَ ضَيقَة لاتَتَغَير .. تَمنيتَ عَليهِم الَمبِيتُ وَحيداً في الفَناءِ ..فوافقوا ..
تَمدَدتُ قُرَب الجِذعِ .. حَركتُ بِسبابَتي أعَوادَ السَعفِ المُلقاةِ بِإهمالٍ .. صَمتُ مُطبِق .. الرِيح تَصفِرُ بَينَ الحَينِ والأخَر .. عِتمَةُ تَزحَفُ بِبطءُ تُبلِلِ الغُرفَ المَزويةِ بِوحشّةٍ مُفجِعةٍ ..
يَختَفِي جِزءُ مِن وَجهَي القَاسِي تَحتَ ظِلِ قَشعرِيرةٍ تَستَديرُ مَع نَظراتِي الحَائِرة .. تَدرُجاتً لوَنيَّةٍ أكَثرُ قَتامَةٍ تَصِلُ سَاقَ النَخلةِ تَدفَعُها هَبَّة رِيحٍ ..
سَمِعتُ صَريّراً يَأتِي حَامِلًا حِكايَاتٍ قَديمَةٍ تَنضَحُ صَورَ المَاضِين .. تَجيءُ وتَذهَبَ .. مُنزلقَةٍ عَني مثِلَ حُلمُ يَتكَررُ بِارتِخاءٍ يُضفِي تَزجُجاً عَلى جَبينِي المَربُوطِ بِاليشْمَاغ .
اِنفَجرَ صَوتُ مُستمِرُ .. طَقطقَةٍ تَسحبُني نَحُو مُستنقَعِ الذِعرِ .. النَخلةُ تَستغِيثُ كمَا لَو أنّ أشبَاحاً تُطارِدَ بَقاءِنا المَاكثِ بِأمانٍ ..
حَملقتُ بِصمتٍ مُترَفٍ .. خَفقةُ تَضغِطُ على هَضبَة رُوحّي تَغرِزُ في رَأسَي أكَواماً مِن عَلاماتِ الاسِتفَهام ؟ حَاولتُ الصِراخُ :
– كَيفَ يَتركُونني وَحيِداً .. ؟!
العَجُوز الوَرِعةُ مَا انَفكَتْ تُطالِعَني .. َتستمِعُ إلى الأصَواتِ الآتيِةُ مِن جَوفِ الجِذعُ .. البيَتُ لمْ يكُن سِوَى جُدرانٍ فَارِغةُ مَعَ أبَواب صَدئِة مُغلقةٍ بِالمزَاليجِ
..
شَققتُ طَريقِي مَاشّياً فَوقَ الطَابُوقِ المَرصُوفِ .. أمَشِي والهَمهَماتُ تُجلجِلُ .. فَكرتُ بِالعَدوِ .. لَكنِهّا تَقتَفي أَثري .. اِنتَابني شُعورٍ سَيىءُ ..
شَعرتُ بِالمَوتِ .. تَنفَستُ بِصُعوبةٍ أغَمضَتُ عيَنِي ..عُدتُ الى مَكانِي سَمِعتُ تَدفُقاً مِن كلِماتٍ مُبهمةٍ .. عَضلاتُ سَاقيَ خَائِرةُ .. حَدقَتْ بَي عيَنينِ مَفتُوحَتينِ على سِعتِهما .. شَبكتُ أصَابِعي فَوقَ رَأسِي اِبتَلعتُ الهَواءَ بِصُعوبةٍ ..
نَظرتُ إلى وَجهِ عَجوُزيَ اَعلَنتْ رَغبَتُها ..اِنها عَادتْ لتَأخُذني .. اِلتَفتُ حولي .. مَشتْ مُبتعِدةُ .. طَويتُ ذِراعيَ فَوقَ جُمجُمتي كَأنما ذَلِك يُحمينِي ..
صَرخَاتُ تَشتَبِكُ مَع صَدى تَنفُسي .. تَتداخلُ الَنغماتُ .. الغَبشُ يُوحيَ أنهُ لانِهايةَ للغُرفِ .. فَراغُ مَمسوخُ .. فَناءُ البَيتِ يَنبِضُ بِالاستِيقاظِ المُبكِر ..
النَخلةُ تَرتَجِفُ صَوتُ الآذانِ يَصدَحُ .. هَدوءُ عَميقُ يَتردَدُ في اِختيارٍ مُهملٍ ضَجتِ الغُرفِ بِغُبارٍ مُتعكِرٍ .. تَهاوَت أوَراقَ السَعفِ أِنحنَى الجِذعُ انهُ وشَيكُ الوقُوعِ .. ثُمَ هَوَى عِبَر صَوتٍ يُذيبُ تَبلدَ أحَاسِيسِي ..
اِرتَمتْ أعَذاقُ التَمرَ التي لمْ تُنضَجُ بِلونِها المُخضّر مُتناثرةٍ في المُوضِعِ الدَاكنِ .. تَحسَستُ وَخزَ الجَريدُ يَلسعُ عَضلاتِي الواهِنةِ ..
يَتأرجَحُ بَابُ مَفتوحُ على سِعتهِ .. صَدرَ بَعدَها صَوتُ ثَقيلُ مَكتومُ يَضرِبُ الأرَضيةُ .. اِصطَدمْ كَتفِايَ بِجدارٍ .. جَفِلتُ تَلاشَت جُثتِي تَحتَ ثُقلَ أِصطِفاقِ بَابٍ يُغلقُ .. ُشعاعُ ضَوءٍ يُغطِي وجَهيَ المُدمَى .. هَدأتْ نَبضَاتي .. أغَلقتُ عيَّني .. صَوتُ يَأتِي مِن مَسَامَاتٍ غَيرِ مَرئيةٍ : اِنتَهى اَلامْرُ..

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.