ألعاب الطُفُولة ما بين الأمس واليوم

لا يخفى عَلَى أحدٍ أنَّ مَا ظهرَ مِنْ ألعابٍ شَعْبِيٍّة فِي بلادِنا، كانت تُشكل فِيمَا مضى مِن الأيامِ أحد أهم البيآت المَحَلِّيَّة الجاذبة للأطفالِ وَالصبية؛ بالنظرِ لبساطتِها المتوائمة مَعَ تواضعِ مدخولات الأسر المَاليَّة حينئذ، وَالَّذِي أفضى إلى ميلِ الأهالي لتصنيعِها مِن سعفِ النخيل وَالملابس القديمة، بالإضافةِ إلى مَا يؤدي الغرض مِن المُخَلَّفَاتِ المنزلية، بَيْدَ أنَّ المذهلَ فِي الأمرِ هو اتضاح تفوق آثار الألعاب الشَعْبِيٍّة القديمة مِنْ ناحيةِ سلامة البناء التَرْبَوِيّ عَلَى الشائعِ مِنْ أغلبِ ألعاب الطُفُولة الَّتِي تمارس حالياً؛ بالنظرِ لِمُسَاهَمَتها فِي إضفاءِ صبغةٍ تَّعْلِيميَّة وَتثقيفيَّة وَصِحِّيَّة عَلَى المبكرِ مِن المراحل العمرية، إلى جانبِ المرتجى مِنْ طبيعتِها الترفيهية؛ إذ بوسعِها المعاونة فِي تَّنْمِيَةِ الذهن وَإنضاج المهارات وَصقل القدرات الإبداعية بفعلِ ارتكازها عَلَى مقوماتٍ جسمانية وَعضلية تتطلب قدرة بدنية عالية، إلى جانبِ مَا يعززها مِنْ صفاتٍ ساندة للنجاحِ فِي تأديةِ أغلب تلك الألعاب كالقوةِ وَالرشاقة الَّتِي مِنْ شأنِها إكساب الطَفُل أو الصبي خفة الحركة، وَإمكانية المناورة. يُضافُ إلى ذلك مَا تفرضه طبيعة الألعاب القديمة مِنْ ضروراتٍ تقضي بإلزامِ اللاعب – وَلو مِنْ دُونِ وعيٍّ – تعزيز مهاراته العقلية وَالذهنية؛ لحاجتِه إليها فِي تدعيمِ مهاراته بميدانِ اللعب، وَالَّتِي مِنْ أبرزِها خاصية سرعة اتخاذ القرار بالوقتِ المناسب، وَموجباتها المتعلقة بالتفكيرِ وَالذكاء وَالدقة وَالملاحظة. وَالمتوجبُ إدراكه أيضاً هو أنَّ خلوَ أغلب مدننا مِنْ المتنزهاتِ وَغيرها مِنْ أماكنِ الترفيه العامة فِي الماضي، لَمْ يقلل مِنْ فاعليةِ الألعاب الشَعْبِيٍّة القديمة – الَّتِي كانت تُعَدّ التسلية الوحيدة للأطفالِ والصبية يومذاك – فِي المُسَاهَمَةِ بتقويةِ أواصر العلاقات الاجْتِماعِيَّة مِنْ خلالِ إيجابية أثرها فِي إشاعةِ روح التفاؤل وَالدعابة وَالمحبة وَالألفة، بالإضافةِ إلى مَا مِنْ شأنِه ترسيخ وَشائج التسامح وَنبذِ الانعزال وَالكراهية، وَالتشجيع عَلَى ابتكارِ الأساليب التَرْبَوِيَّة الَّتِي بمقدورِها بثِ روح التعاون وَإثارة محركاتَ الوعي عَلَى ممارسةِ العَمَل الجماعي مَا بَيْنَ أطفال المحلة أو الزقاق، إلى جانبِ نشر الفكر التشاركي فِي أروقةِ المُجْتَمَع، وَالَّذِي يُعَد الإساس للإندماج فِي أنْشِطَةِ مَا يشارُ إليه اليوم باسْمِ «العَمَل التَطَوُّعي» الَّذِي يتبنى الكثير مِن الفعالياتِ الَّتِي بوسعِها التخفيف مِن المُشْكِلاتِ الَّتِي يعاني مِنْها المُجْتَمَع، وَلاسيَّما الفقر، الإعاقة، التَلَوَّث البيْئَي، الأمية وَغيرها، فضلاً عَنْ تقديمِ ما يحتاجه المُجْتَمَع مِنْ خدمات، وَتأمين المساعدات الإنسانيَّة فِي المناطقِ الَّتِي تعاني مِن التخلفِ وَالفقر المدقع. وَغنيٌ عَنْ القولِ أَنَّ التحولاتَ البنيوية الَّتِي شهدها المُجْتَمَع العراقي خلال العقود الماضية، ساهمت فِي إجهاضِ نَفْسِيَّة الطَفُل وَدفنها وَهي حية بعد أنْ قدّر له عيش حياة انطوائية مغلقة مَا بَيْنَ أربعة جدران بخلافِ الألعاب التراثية، وَالَّتِي عَلَى الرغمِ مِنْ بساطتِها وسهولة تأديتها، إلا أَنَّها كانت تحمل فِي أحشائِها مَا يفضي إلى بثِ روح الحماسة وَالمنافسة وَالتسلية وَالمرَح لمؤديِها.

لطيف عبد سالم

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.