في رحاب ذكرى ميلاده الإمام الهادي «عليه السلام» نبراس للعلم ومقارعة الانحراف

وُلد الإمام علي بن محمد عليه السلام في نواحي المدينة المنورة، في قرية أسسها الإمام موسى بن جعفر عليه السلام تسمى: صرّيا. وسرت بذلك موجات من الفرح والسرور في بيت الإمام الجواد عليه السلام وسائر بيوت ومحبي أهل البيت عليهم السلام والذي أضاء سماء الولاية بفضائله وإيمانه ومآثره.فمعدنه هو معدن الرسالة والنبوة وهو فرع هذا البيت النبوي الطاهر الذي جسد للانسانية خط محمد خاتم الانبياء صلى الله عليه وأله وسلم، محاطا بالعناية الالهية، فأبوه هو الإمام المعصوم والمسدد وامه الطاهرة التقية سمانة المغربية. وكنيته أبو الحسن، واشهر ألقابه الهادي والنقي.ونشأ وتربى على هدى القرآن المجيد وخلق النبي الاكرم صلى الله عليه وآله المتجسد في ابيه الكريم خير تجسيد. لقد بدت عليه آيات الذكاء الخارق والنبوغ المبكر الذي كان ينبئ عن الرعاية الالهية التي خص بها هذا الإمام العظيم منذ نعومة أظفاره.
لقد تحلّى الإمام الهادي عليه السلام، بمكارم الأخلاق التي بعث جده الرسول الاعظم لتتميمها، واجتمعت في شخصيته كل عناصر الفضل والكمال التي لا يسعنا الإحاطة بها ولا تصويرها. وقد تقلد منصب الإمامة الالهي بعد ابيه في الثامنة من عمره الشريف فكان مثالا أخر للامامة المبكرة التي اصبحت اوضح دليل على حقانية خط أهل البيت الرسالي في دعوى الوصية والزعامة الدينية والدنيوية للامة الإسلامية خلافة عن رسول الله صلى الله عليه وآله، ونيابة عنه في كل مناصبه القيادية والرسالية. وعاصر خلفاء بني العباس 15 سنة تقريبا، ثم الخلفاء بعد المتوكل وهم: المنتصر، المستعين، المعتز. وقد تصدى (عليه السلام) 33 سنة لمقام الإمامة والولاية.وللإمام الهادي (عليه السلام) من المكانة العالية في نفوس المسلمين وتعلقهم به ما جاء في تذكرة الخواص لابن الجوزي وهو يصف ما اصاب الناس من الخوف و القلق حينما بلغهم ان المتوكل العباسي قد ارسل في طلبه يستدعيه الى عاصمة ملكه في العراق. لقد عاصر الإمام الهادي عليه السلام، عدداً من خلفاء بني العباس وهم:المعتصم، الواثق، المتوكل، المستنصر، المستعين، المعتز. إن طرق المواجهة التي اعتمدها الإمام مختلفة واعتمدت على ركنين:الجانب التهذيبي: من خلال التركيز على طاعة اللَّه تعالى. الجانب التنظيمي: وذلك من خلال التركيز على الوكلاء وتنظيم المجتمع. من ناحية اخرى إن المراقب لسيرة الإمام الهادي عليه السلام، يعرف أن الإمام استخدم منهجاً تربوياً متكاملاً من أجل بناء المجتمع الصالح وحصانته في مواجهة الانحراف وتقديم نموذج للمجتمع الإيماني الذي كان يمثله أهل البيت عليهم السلام وأتباعهم. وهذا المجتمع لا بد من بنائه من الداخل والخارج لذلك اعتمد في مجال بناء النفس على ركنين..بناء النفس من خلال تهذيبها وربطها بخالقها تعالى(الجانب التهذيبي). وقد اعتمد الإمام وسائل كثيرة للبناء الروحي للمجتمع منها: الرسائل المكتوبة، الربط بالمعصومين عبر ظاهرة الزيارة فقد صدر عنه: الزيارة الجامعة، و زيارة أمير المؤمنين يوم الغدير، وزيارات متعددة للأئمة عليهم السلام..والثاني بناؤها من أجل قدرتها على تجاوز المحن والصعاب(الجانب التنظيمي) ..إن مفهوم الإمامة الذي يعني قيادة الأمة إلى الخير والصلاح في الدنيا والاخرة اقتضت من الإمام أن يمارس الجانب التنظيمي في المجتمع من أجل حمايته من حبائل السلطة الغاشمة التي كانت تتربص بالمؤمنين وبإمامهم عليه السلام الدوائر. كانت حياة الإمام عليه السلام مقرونة برقابة شديدة من الحكام العباسيين، ورغم ذلك كان للتشيع انتشاره في كل العالم الإسلامي، واتبع الإمام أسلوب الوكالة للارتباط بأتباعه وشيعته في العالم ، فكيف كان هذا النظام؟كان الوكلاء يتولون تنظيم عملية الاتصال بين الإمام عليه السلام والشيعة، خصوصاً في العناوين التالية:..تسلم الخمس من الشيعة وإيصاله للإمام عليه السلام.. الاجابة على المسائل الفقهية والعقائدية..والتعريف بالإمام عليه السلام وتمهيد الأرضية له.
وانطلاقاً من مسؤوليته الرسالية في الدفاع عن العقيدة الاسلامية المقدسة ومبادئها السامية ومكافحة الكفر والالحاد، اتخذ الإمام عليه‌ السلام مواقف صارمة من الغلو والغلاة الذين استفحلوا في زمانه، فكانوا من المعاول الهدامة التي أرادت الاجهاز على الاسلام وعقائده الحقة بجملة مقالات باطلة خرجوا بها عن الجادة؛ كوصفهم الإمام عليه ‌السلام بالألوهية، واستهتارهم بالسنن الالهية، وإسقاطهم الفرائض عمن دان بمذهبهم، وإباحتهم كل ما حرم الله ونهى عنه كنكاح المحارم واللواط وقولهم بالتناسخ وما إلى ذلك من المفتريات، فأعلن الإمام عليه‌ السلام عن كفرهم وضلالهم، وصرح بلعنهم والبراءة منهم، ودعا إلى نبذ أتباعهم ومقاطعتهم والاستخفاف بهم وتكذيب مقالاتهم الباطلة، وحذر شيعته وسائر المسلمين من الاتصال بهم أو الانخداع بمفترياتهم، حرصاً منه على تنزيه تعاليم الاسلام من التشويه والتحريف والافتراء وتصحيحاً للمسار الاسلامي بكل ما حوى من علوم ومعارف.
وكان عليه‌ السلام علماً للهداية والاصلاح والارشاد بما يتحلى به من صفات الكمال وحسن السيرة والتفوق العلمي واسماع الموعظة وما ظهر على يده من كرامات حباها الله له، فاستطاع أن ينقذ جماعة ممن أغرتهم الدنيا فانحرفوا عن جادة الطريق فاهتدوا ببركته عليه‌ السلام إلى ساحل الامان، وخرجوا من ظلمات الجهل والضلال إلى نور العلم وصراط الهداية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.