الشاعر احمد حميد الخزعلي يقود ثورته ضد آثار الحرب متمسكاً بالارض

وجدان عبد العزيز

بقيت الدراسات تتوالى عن الزمن في الادب بصورة عامة، وفي الشعر بصورة خاصة، وهكذا حضر الحديث عن الزمن (ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا) في شعرنا العربي، فقضيته ما برحت تؤرق الشعراء، ولما كان الأدب الصادق مرآة تعكس ما في نفس صاحبها، كان الحديث عن الأعمار والآجال والأزمنة الغابرة والذكريات الخالدة واستشرافات المستقبل يشغل مساحات كبيرة،
فكان الشاعر يتأمل الزمن بوصفه حركة في الأفق المكاني وما يعتري الإنسان من تطور وتغير وصيرورة، يتنقل فيها الإنسان من الضعف إلى القوة، فالضعف ضعف في طفولته وقوة في رجولته وضعف في شيخوخته، غير أن تطورا تصاعديا يرافق هذا التغير.. اذن الزمن يترك آثاره على الإنسان من ناحيتين: جسدية وذهنية.
أما الجسدية: فتتجلى في تحول جسم الإنسان من الضعف إلى القوة ومن ثم الضعف, وأما الذهنية: فتتبدى في تراكم المعرفة الإنسانية على مستوى الإدراك والخبرة، والزمن عند الشاعر يتجاوز حركته من ماض الى حاضر إلى دلالة ذاتيه متشابكة، أي العمل على إحداث الفعل في الزمان وموقفه إزاءه, وهذا يعني أن الزمن يتحول إلى بعد ذاتي يعيد الشاعر صنعه أو خلقه من جديد، ومن هنا كان تعامل الشاعر احمد حميد الخزعلي مع الزمن من خلال تراكم الادراك والخبرة، وخبرة شاعرنا الخزعلي ارتهنت بادراكه آثار الحرب على النفس، فكانت رؤيته الشعرية تتمحور حول الأوجاع والآهات حين تذكر الحرب، ففي قصيدة (لك أنت) من ديوانه (أَلسِنَـــــــةُ الضَّـــــــوء) تحدث فيها عن الاهات والفقدان معاتبا الزمن بقوله:
(فالأَرضُ لَمْ تَعُد مُخضَرَّةً بِالحَنِين
وَالشَّمسُ مَا زَالَتْ تَضْحَكُ لَذَّاتِ الجِهَةِ المُظلِمَة
عِندَمَا كُنتَ مَصلُوباً على جِذعِ القَدر
عَبَثـــــــاً
تُوَارِي هَذِي الجِـــــــرَاح
قد تَحتَاجُ قراءةً ثانية
لِتَركبَ رَأْسَ المَـــــــوج
وتُمسكَ بِالأُمنِيَّاتِ الهَارِبَة
أُرجِـــــــئْ
لِقَاءَ الرُّوحِ لِعِشرِينَ سَنة أُخرَى
لِتَنسى الفَوْضَى الَّتِي حَدَثَتْ
وتَرسم خَارِطَةً لِزمنٍ جَدِيد)
اذن فالشاعر الخزعلي يعيش صراعا مع الزمن، كونه اقترن بالضياع، والضياع اثر من آثار الحرب، التي سوف يتحدث عنها في قصائده الاخرى، كما في قصيدته (اِبتسامَـــــــةُ الوَجَـــــــع)، حيث يقول:
(أَذرُعُ الشَّوَارِعِ مُزينة بسَاعَات المُتعبِينَ
حينما ولدَتْ الحروبُ من أضلاعهم
كَأَنَّهُنَّ بَنَاتُ لَيـــــــل
يُغرِينَ هَامِشَ الحَيَاةِ لِمُقَايَضَةٍ خَاسِرَة
أَورَاقُهُم مُصَابَةٌ بِنَدَى التَّمَرُّد
أٌطلِقَتْ عَليها نِيرَانُ الثَّورَاتِ المُقَدَّسة)
وبصور شعرية مدهشة، وصف الحروب ببنات الليل، والحقيقة انه وصف منفعل رافض، كون بنات الليل متمردات على العرف الحياتي والاجتماعي، لذا كانت تطاردهن نيران الثورات المقدسة، فصورة (ساعات المتعبين) مع صورة (ولدت الحروب من اضلاعهم)، جاءت لوحة الشاعر الخزعلي مطرزة بالوان الرفض لذلك التعب، الذي سببته تلك الحروب، المستحقة لوصف الشاعر ببنات الليل، فهناك آثار خفية ناتجة عن التجربة الشخصية للحرب، وعلاقة عميقة ومباشرة بين أفراد حرب الصدمة وأعمال المجتمع والثقافة، وبالتالي يوجد نوعان أساسيان من الصدمة الناجمة عن الحرب.واحد هو ضحية الصدمة: مثل التعذيب والاغتصاب والتشويه والضرب، أو صدم شخص بجروح يعاني منها، أو نشاهد أسوأ الفظائع التي يمكن أن يرتكبها البشر.
والآخر هو صدمة الجاني: مطلق النار، الجلاد، المغتصب، القاتل، وهو الذي يوقع الرعب على الضحايا.. وكل نوع من هذه الصدمة يحول الأساسي الكامل للبشرية في الوقت الراهن إلى شخص آخر، هذه الاثار انعكست على ذهنية الشعراء، فراحوا يعيشون صراعات الحرب، يقول الشاعر الخزعلي في قصيدته (السنة الضوء)، التي حملت عنونة ديوانه:
(تَرَاءَتْ صُوَرُ المَاضِي
كَأَلْسِنَـــــــةِ الضَّـــــــوءِ..
تَبحَثُ عَنْ أَحلامٍ هجرَتْ مَضجَعَهَا
قُبَالَةَ فَجرٍ كَاذِب
رَاحَتْ تَتَسَوَّلُ طَرِيقَ الخَلَاصِ
بَعيداً عن أحضانِ الجَليد
حينما غَطّى أَجساداً مَنخورةَ الرأْس
تُزعِجُنِـــــــي
رَوَائِحُ الحَربِ عِندَمَا تُدَاعِـب أَنْفِي
وَ مُكوثُ الأرواحِ في ظلمةِ الجهل
أَلواحاً زُجاجيةً مَكسورةً في المـــــــاء..
أَنَـــــــا قَلِقٌ جِداً
أَخْشَى مِن غَرَقٍ آخَر
سَفِينَةُ نُوحٍ لَم تَكتَمِلْ بَعـــــــد)
وكما اشرنا بقي الشاعر يعيش صراع الحرب وازمنتها الحالكة الظلام، فقوله: (تُزعِجُنِـــــــي/ رَوَائِحُ الحَربِ عِندَمَا تُدَاعِـب أَنْفِي)، مسار انفعالي يدعمه في قلق بقوله: (أَنَـــــــا قَلِقٌ جِداً/ أَخْشَى مِن غَرَقٍ آخَر/ سَفِينَةُ نُوحٍ لَم تَكتَمِلْ بَعـــــــد)، فحتماً هناك صراعات سياسية واجتماعية تولد من رحمها حروب، هذه الحروب جعلت من الشاعر يعمد الى التناص مع قصة نوح عليه السلام، وكأني بالشاعر يحلم ويتمنى في زمن المستقبل، ان يمحو العداوات، ويُوجد جيلا اخرا رافضا لمحن الحروب واثارها، وانها لاتجدي نفعا، سوى جلب الويلات والاوجاع والاهات، فهو رسم حالات الاحباط بقوله الاخر:
(زُجَاجُ النَّافِذَةِ لَمْ يَكُنْ سَخِياً كَعَادَتِهِ فِي نَفَاذِ الضَّوءِ..
تَلَاشَتْ الأَحلامُ خَلفَ جِدَارِ الوَقت
اِلتَحَفَتُ دُعَاء أُمِّي
وَتَمَسَّكَتُ بِمشاهدِ الذاكرة
حَارَتنا القَدِيمَة
أَشعَاري الهَزِيلة
لَعِبِي ، بُكَائِي
غَضَبُ أَبِي)
فحين تلاشي احلامه، التحف دعاء امه، وتمسك بالذاكرة، وراح يستحضر ذكرياته، اي طفولته، هروبا من تلك الاوجاع، واثناء رحلة الذاكرة، رسم لنا مسارا اخرا بقوله:
(رَأَيتُ طَلسماً مَلقىً على أَرِيكَتَي البَيضَاء
تَنَاوَلتهُ كَيْ أَحظَى بِبَعضِ الهُدُوء)
اي انه رسم مسار طلسم، عله يحظى ببعض الهدوء، فالشاعر الخزعلي يبحث عن ملاذات افتراضية هربا من اثار الحرب، وعاش صراع ماضي الحرب وحاضر اثارها، وهو يحاول رهن الزمن المستقبل، كما في قوله:
1
(لم أَعُد أَخشَى شَيـــــــئاً
أَيُّهَا الظِّلُّ القَابِعُ خَلفَ مَلَكُوتِ الصَّمت
خُذنِي إِليـــــــك
خُذنِي قُربَانَاً فِي ظُلَلِ الطُّرُقِ المُوحِشَة
خُذنِي ضحكَات فِي وَجهِ الأَطفَال
خُذنِي فَأْساً يَزرَعُ حَبَّات القَمح
خُذنِـــــــي إِلَيكَ
خُذنِـــــــي الآن)
بحالة جمالية هي رؤيته في تجديد الحياة، فحين ردد : (خُذنِي قُربَانَاً فِي ظُلَلِ الطُّرُقِ المُوحِشَة/ خُذنِي ضحكَات فِي وَجهِ الأَطفَال/ خُذنِي فَأْساً يَزرَعُ حَبَّات القَمح/ خُذنِـــــــي إِلَيكَ/ خُذنِـــــــي الآن.. )، هذا الخطاب موجه الى ظل الحق الصامت، هو معادل موضوعي لانفعال الشاعر ضد غول الحرب واثارها المدمرة، ولهذا راح هاربا للطفولة، كاستشراف للمستقبل داعما هذه الرؤية بحبات القمح عنوانا للنمو والاستمرار بالحياة، ثم يدعو للتمرد والثورة من خلال قصيدته (رِسَـــــــالَةٌ إِلى ضَمِيـــــــر)، وبعضا منها في قوله:
(أفِـــــــق
أَيُّهَا القَابِعُ خَلفَ نِفَاقِ الوجوه
خُذ نَفَساً مِن أَعمَاقِ البَحر
عَلِّكَ تُطفِئُ أَتونَ الحَرب
وتَركلُ النُّصُبَ المُشَيِّدَةِ على طَرِيقِ الخَوف
لا تَعبأْ لِجِيَادِ الظُّلم
رُف بمخيَطِ التَّمَرُّدِ جُرُوحَ المُعَذِّبِينَ
لَملِمْ حقائبهم مِن مَحَطَّاتِ الرَّحِيل)
اذن قاد الشاعر الخزعلي الثورة ضد الحروب واثارها من خلال الطفولة والتمسك بالارض، راكلا النُّصُبَ المُشَيِّدَةِ على طَرِيقِ الخَوف، غير عابيء لجياد الظلم، داعيا الى التمرد، متسائلا (عَنْ السِّرِّ المُخَبَّأ خَلفَ هَذَا الرَّمَاد)، ملتحفا ضوء الفجر، هذه هي رؤية الشاعر احمد حميد الخزعلي الرافضة للحرب في ديوانه (ألسنة الضوء)، وتبقى القراءة الاولى تحتاج لقراءة ثانية، فهناك معان اخرى كامنة بين السطور.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.