أثر ظاهرة الفقر في التعليم

يُعَدُّ الفقرَ أحد المشكلات عميقة الأثر الَّتِي عانى منها الإنسان منذ أمد بعيد، فضلاً عَما تواجهه المجتمعات الحديثة مِنْ سلبيةِ آثار الفقر، بوصفِه الظاهرة الأخطر عَلَى مستوى العالم؛ إذ كشفت البيانات الَّتِي أعلنتها «منظمة اليونيسيف» فِي شهرِ أيار مِن العامِ الماضي عَنْ أرقامٍ مخيفة تتعلق بالأطفالِ الَّذين يخيم الفقر عَلَى حياتهم، إذ أظهرت تلك الوثائق أنَّ الفقرَ ما يَزال يؤثر في حياةِ (29) مليون طفل عَلَى الأقل – ما يعادل واحداً من كلّ أربعة أطفال – فِي منطقةِ الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا.
يشير أغلب علماء النفس والاقتصاد والاجتماع إلى أنَّ الفقرَ يشكل أكبر العوائق أمام تنمية الإنسان؛ بالنظرِ لوقوف الإنسان الفقير عاجزًا أمام أكثر الأمور فِي الحياة، وَالَّتِي يفضي فقره إلى منعِه مِنْ استغلالها، ما يعني صعوبة – وربما – استحالة إمكانية تطوير نفسه، وعجزه عَنْ مواكبةِ ما ظهر مِنْ تطورات هائلة فِي العصرِ الحديث، إلى جانبِ حرمانه مِن جميعِ أشكال الرفاهية الَّتِي يتمتع بها غيره مِن أفراد المجتمع الَّذِي يعيش فِيه، وهو الأمر الذي يجعل نسبة كبيرة مِن الفقراء يعيشون بعزلةٍ عَنْ المجتمع.
إذا سلمنا بأنَّ الفقرَ يعني عدم القدرة عَلَى تحمّلِ نفقات الحياة وتكاليف متطلبات المعيشة، وَبخاصة ما يتعلق مِنها بعجزِ الإنسان عَنْ الاستمتاع بالحياة أو إمتاع أسرته، إلَى جانبِ صعوبةِ ارتقائه لعيشِ حياةٍ هانئة ومطمئنّة ضمنَ المستويات المعيشيّة الجيّدة، فإنَّ أكثرَ أشكال تلك الظاهرة خطورة تتمثل فِي التحدياتِ الَّتِي تواجه حقل «التربية والتعليم»، حيث يرى المتخصصون أنَّ الفقرَ إذا شاع فِي بلد، يفضي إلى إلزام أفراده التركيز قسراً عَلَى الأمورِ الَّتِي بمقدورِها تلبية حاجاته الأساسية المتمثلة بالمأكل، المشرب، الملبس والدواء، ما يعني أنَّ شظفَ العيش يساهم فِي جعلِ غالبية الأفراد فِي شرائحِ المجتمع الفقيرة لا تأبه بأهميةِ النهل مِن العلمِ، ولا تقيم وزناً لاكتساب ما متاح مِنْ قنواتِ المعرفة؛ إذ ليس بوسعِها التعامل مع تلك المفاهيم بوصفِها أحد ضروراتِ الحياة الَّتِي لا بد منها، وإنما يجري النظر إليها كأحد الأمور الثانوية، حيث وجد أنَّ أولياءَ الأمور فِي تلك الشريحة البائسة لا يبدون حرصاً عَلَى مهمةِ انتظامِ أبنائهم فِي المدارسِ مِنْ أجلِ الحصول عَلَى فرصةِ التعلُّم، فحاجة الآباء للمعاونةِ فِي أمورِ المعيشة تفرض عَلَى الكثير مِنهم الركون إلى خيارِ ترك الأبناء مقاعد الدراسة والتوجه صوب سوق العمل.
لا أظنني أبـالـغ أو أخاصم الحقـيـقـة إذا ما قلت إنَّ شيوعَ الفقر فِي أيِّ بلد، يظهر ارتباطاً وثيقاً وبشكلٍ كبير بمعطياتِ قِطاع التربية والتعليم؛ إذ بالاستنادِ إلى الإحصائيات الَّتِي قامت بِها المنظمات الأممية، وجد أنَّ نِصْفَ نسبة الفقراء حول العالم أميون، ليس بمقدورهم القراءة والكتابة، وهو الأمر الَّذِي يجعلنا نتيقن مِنْ خطورةِ الآثار الَّتِي يتركها الفقر علَى واقعِ قِطاعِ التربية والتعليم، وَالَّذِي يؤثر بدوره في النواحي الاقتصادية والاجتماعية والنفسية وغيرها.
فِي أمَانِ الله.

لطيف عبد سالم

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.