خصوصية مفقودة

جواد كاظم محمد

«كيف يمكن لي ان ابقى مجهولا في زمن المعلومات التي لا تترك انسانا مجهولا بل تلاحقه فتعرفه وتتعرف عليه في كل مكان»؟
رفع قوام الدلعي وجهه من جهازه اللوحي وهو يستمع بلا مبالاة لسؤال صديقه مأمون الركوبي الذي وجهه له، ودونما رغبة بالإجابة ولكن بحكم المجاملة اجابه: «وفيم تبحث عن الخصوصية اذا كنت انت من يقدم خصوصيته للكل في الحياة وعبر الدولة وعبر الانترنت وعبر مواقع التواصل الاجتماعي ياقوام الغالي على قلبي»؟
نظر قوام ملياً لمأمون وهو لا يستبين في وجه مأمون الهزء او الجد في استماعه وفي اجابته وقال وهو ينظر في عينيه: «لا اعرف ولكن في كل يوم لا اجد لنفسي فسحة من الخصوصية واكاد ارى نفسيا عاريا امام من اعرفهم ومن لا اعرفهم»!
«تلك هي ضريبة المعلومات والتقانات والاتصالات…» نظر مأمون في وجه قوام قليلا ثم اكمل بهدوء بينما تعبث اصابعه بجهازه اللوحي: «ولا وجود لشيء مجاني فمادمت تستخدم الحداثة فيجب ان تبيع وتشتري من الخصوصية التي يقلقك فقدانها».
صمت مأمون منتظراً ان يكمل قوام وعندما رآه عاد بعينيه الى جهازه اللوحي، عاد هو الى ملء الفراغات في صفحته على الفيس بوك وهو يفكر مع نفسه: «لماذا يجب ان أعطي معلوماتي الى الفيس بوك؟ لماذا يجب ان اقول كل شيء عني كتابة او صورة او تسجيلا او مجموعة فديوهات لي ولمن احب ولماذا يجب ان يعرف الناس من اعرفهم ومن لا اعرفهم اكلتي المفضلة وكتابي المفضل ولوني المفضل وفريقي المفضل»؟
كانت تؤرقه الخصوصية منذ مدة عندما لم ينتبه لنفسه وهو يضغط زر تحديد الدخول لمول المنصور على صفحته على الفيس بوك مع مامون الذي لا تحبه زوجته. وعندما عاد للبيت سألته زوجته بهدوئها القاتل: «تاخرت حبيبي»!
فقال لها بابتسامة هادئة: «تأخرت في الشركة».
فأجابته بهدوء قاتل: «ما لم تكن شركتك قد انتقلت الى (مول المنصور)، فانا متأكدة انك لم تكن في الشركة! هل اجهز لك الغداء»؟
«مع قليل من السم حبيبتي»!!
ومنذ يومذاك وهو يتأرجح في محاولة فهم الخصوصية ويترحم على ايام لم يكن فيها النقال ولا الانترنت ولا نظام تحديد المواقع ولا مواقع التواصل الاجتماعي ولا ادوات الاتصال التي تظهر متى كنت آخر مرة متصلا بالانترنت.
ولم يكن هو وصديقه مأمون في جلوسهما اليومي بعد العشاء في بيت مأمون يتناقشان الا في ذلك، برغم ان مدة المناقشة لا تتجاوز الدقائق، ثم يعود كل منهما الى نقاله او لوحيِّه متحدثا مع اصدقاء بعداء تاركا صديقه الاقرب.
كان قد استمع اليوم في الشركة الاعلامية التي يعمل فيها الى محاضرة موجزة عن امن المعلومات من خبير يحمل شهادتي دكتوراه في البرمجة الحاسوبية وفي التخزين السحابي وما سمعه جعله يتمنى لو يستطيع استرجاع جهاز هاتف جدته ذي الارقام التي تحيطها دائرة فيها عشر فراغات لاصبع المتصل.
تذكر شيئاً من محاضرة الصباح فقال لمأمون المنهمك في الطباعة: «مأمون، مأمون، هل تعرف ماذا قال المحاضر لنا اليوم في الشركة»؟
ـ «اتركوا اصدقاءكم وهم مشغولون على الانترنت هاهاهاها».
ـ «كلا بالطبع».
ـ «تفقد الكثير من روح الدعابة قوام».
ـ «وتفقد الكثير من الاهتمام بي مأمون».
ـ «حسنا ماذا قال بيل كيتس لكم»؟
ـ «مأمون، لقد قال ان برج الاتصالات يتجسس على مستخدم النقال، وان مزود خدمة الانترنت يتجسس على المستخدم الذي يتصفح، وان كل موقع نتصفحه يرسل ملفات ارتباط تدعى (الكوكيز) تلتصق بحواسيبنا واجهزتنا الذكية».
ـ «قوام هل انت متخلف؟ هذه بديهيات.. وحتى ازيدك رعبا فهناك اليوم تطبيقات تعرف على الوجوه عبر مواقع التواصل الاجتماعي تستطيع بمجرد ادخال صورتك ومن معك ان تحدد المعلوم منهم لك والمجهول هاهاهاها».
ـ «وكيف احافظ على خصوصيتي»؟
ـ «ارجع لجهاز هاتف جدتك الذي لا اشك انك تحن اليه كما يحن البعير الى الصحراء وهو في المدينة».
ـ «مأمون، هل تعرف انك لست بظريف ولكنك تتظارف»؟
«قوام» سكت قليلا وعاد للنظر في لوحيه واكمل متمتما: «هل تعرف انني اجدك بغيضا هذه الايام»؟
ولم يضحكا كلاهما.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.