مــرافــئ في ذاكرة يحيـى السماوي

لطيف عبد سالم

27

أَمْرٌ شَدِيدُ الأَهَمِّيَّةِ بالنسبةِ للبحثِ الحالي أشار إليه الأستاذ الدكتور عبد الرضـا عليّ بقوله: «في منتصفِ العام الأخير من دراستنا، وتحديداً في العام الجامعي 1970 ـ 1971م صعد إلى منصّةِ الإلقاءِ في قاعة ساطع الحَصريِّ ـ في المبنى القديم لكليّة التربية ـ شابٌ وسيمٌ، ذو وجهٍ صبوح، وقوامٍ رشيق، وشعرٍ ذهبيّ، كأنّه رمحٌ سمهريٌّ نقيٌّ، يزيّنُ عارضي وجهه عِذارانِ خُطّا على نحوٍ جميل، فقرأَ قصيدةً دلَّ بها على أنّ الله قد حباهُ موهبةً فطريّةً عظيمة، أو طبعاً (استكملتْ به نفسه فهم أسرارِ الكلام) واكتساباً معرفيّاً واسعاً، فألهبَ القاعةَ إعجاباً، فصفّقنا له كثيراً، واستعدنا بعض أبيات قصيدتهِ تلك منتشين، وحين سألنا عنه علمنا أنّه من طلبةِ المرحلةِ الأولى».
يضيف الكبير الأستاذ الدكتور عبد الرضـا عليّ قائلاً: «لم يمضِ يومانِ، أو ثلاثةُ أيّامٍ على المهرجانِ الشعريّ إلّا وقرأنا مقالةً أدبيّة لأستاذِنا العلامةِ الدكتور عليّ جواد الطاهر ـ أستاذ النقد الحديث آنذاك ـ يُبشّرُ فيها بولادةِ شاعرٍ واعدٍ هو الطالب يحيى عبّاس السماوي». وينهي الأستاذ الدكتور عبد الرضـا عليّ «أدامه الله وبارك جهده» شهادته بحدودِ موضوع هذه الحلقة مِنْ الدراسةِ بتقريضٍ ليس بوسعِ إمكانياتي الأدبية المتواضعة تقويم عذوبته وجمال تعابيره:
وما جـــــادَ الزَّمانُ بمـثلِ يحـيى
وليــــسَ بمـثلِهِ أبـــــــــداً يجودُ
رعـى اللهُ السماوةَ كـــــــلَّ حينٍ
ففي يحيى ابنــها سمقَ القصيدُ
فإنْ سألـتْ عــــن التجديدِ يوماً
أقولُ لها: (القديمُ هو الجديدُ)
الوفاءُ خصلة اجتماعية خلقية، حضّ ديننا الإسلامي عَلَى التحلي بها؛ إذ أَنَّها مِنْ مكارمِ الأخلاق، وَإحدى صفات النفوس الأبيّة الَّتِي حين يبلغها الإنسان بمشاعرِه وَمحسوساته فإنَّه يصل لأحدِ مراحل بلوغ النفس البَشَريَّة لفضائلِها. وَفِي واحدةٍ مِنْ جملةِ مداخلاتِ السَماوي يحيى المعروفة بعذوبتها وجمال سبكها، وَالَّتِي خص بِها الأديبِ البصري وَأستاذ النقد ألأدبي الحديث الأستاذ الدكتور ضياء الثامري، يشيرُ أبو الشيماء إلى المبرراتِ المَوْضُوعِيَّة الَّتِي ألزمته كتابة إحدى قصائده قائلاً: «لَنْ أستحي من اعترافي لك بأنني كتبت قصيدتي هذه وفاءاً لوالدي وعملا بنصيحته..
فقد قال لي والدي «طيب الله ثراه» قبل أن يتدثر بالتراب: إذا لم تكن لك فضيلة يتذكّرك بها الناس، فاذكر أنت فضائل ذوي الفضل عليك، لأن الإعتراف بفضل ذوي الفضل فضيلة يا ولدي..
أشهد الله أن لأخي وصديقي الأستاذ الدكتور عبد الرضا عليّ فضلاً كبيراً ليس أقلّ من فضل الريح على المزمار، أو الوتر على الربابة..
بارك الله به نخلة غدت بمفردها بستانا، وبارك مَنْ أحبه، وتبارك من دخل خيمته المعرفية متأبطا الدفتر والقلم.. ومدّ في ظلال واحات عمره لنزداد انتهالاً من معينه.
شكراً لك أخي الأستاذ الدكتور ضياء الثامري، وشكراً لكل مَنْ وضع زهرة محبة في مزهرية قلب أستاذنا الناقد العربي العلم».
طوَتْـكَ المسـافاتُ عاماً فـعاما
غـريباً ذبيحَ الخُطى مُـسْـتـضامـا
ولم تطوِ عن دجلةِ الخيرِ ليلاً
كما الشمسُ تطوي الدّجى والظلاما
فحـيـنـاً تـلومُ عـثارَ الـطـريـقِ
وحـيـنـاً تكونُ الطـريـقَ الـمُـلامـا
«أبا رافِـدٍ» والـفـراديـسُ بـيْــدٌ
إذا الحُـرُّ فـيـهـا غـريـبٌ مُـقـامـا
عـرَفـتُـكَ تُـرجى ولا تـرتـجيهـمْ
وإنْ جَـرَّدَ الـمارقـونَ الـحُـسـامـا
شَــبَـبْـتَ على لـبَـنِ الـمـكـرُمـاتِ
فكانت لك الـمُـبـتـغى والـمَـرامـا
وأبْـدَلـتَ بالـتـبـرِ خُـبـزَ الكفافِ
وبالكوثـر الـمُـسـتطـابِ الـضّـرامـا
عجَنتَ بماءِ الجـبـيـن الـطحيـنَ
وصـيّرْتَ مـن لـفـح جمـرٍ مُـدامـا
بدأتُ الأماني فـكنتَ الخِـتـامـا
ويَـمَّـمْـتُ قـلـبي فكـنـتَ الإمـامـا
«أبا رافد» ما عـذيـري وصوتي
خفيضٌ أضاع الصّدى والكلاما؟
متى تُضحِـكُ النخلَ شـمـسُ الأمانِ
فـنطوي عـذاباتِـنـا والخِيـامـا؟
أضاقَ العـراقُ على عـاشـقـيـهِ
وأفـسَح لـلـمـارقـيـن الـكِـمـامـا؟
كأنَ الحَـلالَ من الـموبـقـاتِ
وأنَّ الـمـروءاتِ أضـحـتْ حَــرامـا!
وهل مثلُ بغـدادَ كـحْـلٌ لِعَـيـنٍ
إذا صاهـرتْ بالـرَّغـيـفِ الوئاما؟
نسَـجْـتُ الندى بُردةً والغماما
وشاحاً موشّىً بعطـرِ الخُـزامى
سكنتَ فـؤاديَ والمـقـلـتـيـنِ فعُدتُ
المغـني وكـنـتُ الحُـطـامــا
جليسـايَ وجهُـك والرافـدانِ..
وأهـلُ الهوى والطيورُ الـنُّـدامى
سـلامٌ على حُـرّةٍ أرضعـتـكَ طيوبـاً..
وحُـرٍّ أبى أنْ يُـضـامـا
فيا توأمَ الـقصْدِ بئس الـقـصيـدُ
إذا لم يُـمـسّـدْ وجوهَ الـيـتـامى
ولم يغـرسِ الـوردَ لـلعـاشـقـيـن
ولم يقـتحمْ بالـضياءِ الظلامــا
ويا سادنَ الحرفِ والياسـمـيـن
تقـبّـلْ من الأصغـرين الســلامـا
وعـذراً إذا خاطَ صوتي السكوتُ
فإنّ الذهـولَ أضاعَ الكلامـا
لئنْ كرّمَـتْـكَ قـلوبُ الكِرامِ
فـقد كرّمَـتْ نفـسَـهــا والـكِـرامــا

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.