«عزلة الذات في أخاديد الوجع»

القاص كامل التميمي

لا يخفى على أحد أن الذات البشرية مهما كانت وجهتها المعرفيّة وخلفياتها الثقافية تسعى إلى تحقيق ما تصبو إليه من رغبات وأهداف ونزعات شتى وهي تخوض غمار مسيرتها في الحياة، وبلا شك فإن هناك عوامل مساعدة وعوامل معارضة تعيق الوصول إلى غاياتها سواء أكانت تلك العوامل مرتفعة أم منخفضة.هذه المقالة تبحث علاقة الذات بالموضوع وطبيعة تلك العلاقة بينهما العلاقة وما يترتب على ذلك من نتائج في مجموعة (أخاديد في وجه الذاكرة) للكاتب رسول يحيى التي صدرت طبعتها الأولى مؤخرا ضمن سلسgة إصدارات الرابطة العربية للآداب والثقافة فرع بغداد لعام ٢٠١٧ الطبعة، وقد جاءت فيها جملة متنوعة من الأحداث التي خاضتها الشخصيات وهذه الذوات كانت في حركتها أشبه بالحركة الارتدادية السلبية التي لا تعود إلى صاحبها إلا وهي محملة بكم هائل من الخيبات والأسى وفقدان الأمل لفقدان التواصل مع موضوعها بشكل طبيعي بل يمكن الجزم أن هناك إخفاقا في موضوعها.
إن القراءة الفاحصة لهذه النصوص القصصية, ترسم عزلة للذات عن رغباتها, بألوان تشاؤمية تكاد تكون خطوطها متقاربة متلازمة نحو غاية واحدة وهنا نكون أمام انفراج ذي غاية مقصودة إذ إن الغاية المتوخاة من هذه المجموعة إغلاق دوائر الذات وانفراجها في ذات التلقي وهذا مدعاة للجذب والتلقي الفاعل القائم على البحث والتحري عن الإجابة التي تفرزها هكذا علاقات بنيت على هيأة واحدة.لا تكاد تخلو قصة من هذه المجموعة من صراع يؤول إلى أن تكون الذات هي الخاسر الوحيد فيه ، ليخلف سورا من العزلة وتجذير الألم النفسي الناجم عن الإخفاق في اتصال الذات بموضوعها، ومن البداية يطلعنا العنوان (أخاديد بوجه الذاكر) مع صورة الغلاف عن لغة انزياحية رمزية لها حالة من التراتبية على ذاكرة متعبة مثقلة بأعباء داخلية وخارجية لا تقوى على التصريح بها إلا من خلال لغة إشارية دلالية متعددة الرؤى لكن موضوعها مرتبط ارتباطا وثيقا لا انفصام لعراه، ففي قصة (طعم الشوكولاته) تعاني الذات ضغطا نفسيا يدفعها الى نهاية تحول بينها وبين موضوعها والسبب هي تجربة عاطفية تمر بها وتقع فريسة لتلك التجربة. اذ الذات كانت ترغب من هذه التجربة أن تجني حبا يفضي بها الى أحلامها الوردية (تحدثني عن حب جنوني وتهتف بأعلى صوتك: أموت عليك). تتحول الذات عن مسار موضوعها حين الحبيب يستنهض وهجا من جمر فوران ويقضي على عذرية الحب التي كانت الذات الرئيسة عاقدة الأمل عليه. والآن نقتبس لحظة افتراق الذات عن موضوعها بشكل نهائي: (لم تجعل لي خيارا آخر, سوى هذا الحبل الرفيع) ص 11.وفي نص (المقصلة) تدخل الذات صراعا مع ذكرياتها نتيجة انفصالها عنه ويشكل عقدة ذنب مؤلمة لها. النص يتحدث عن مقاتل كان من المفترض أن ينقذ زميله الجريح الذي أصيب في أثناء المعركة لكن لحظة ضعف تحول بينه وبين زميله تدعه يواجه مصيره الحتمي.
(أرجوك لا تتركني أموت) ص 45. (ودخان المعركة حجب عني معرفة مصيره) ص 45.
وهكذا المتتبع للخطاطات السردية لهذه المجموعة يجد: ثمة فرضية أوجدها الراوي بقصد أو من دون قصد وهو يروي لنا أحداث هذه المجموعة وهي «عزلة الذات عن موضوعها نمطية الشكل» وهذه الفرضية جعلتنا في موقع التساؤل والتأويل عن الأسباب وراء هذه النمطية:إن كانت مقصودة فهي أقرب للمحاكاة الى البيئة التي خرجت منها وثمة اشارة تشاؤمية مفادها صعوبة خروج الذوات وانفتاحها لكن انفتاحها سيكون في ذات التلقي, وإن كانت غير مقصودة فهي ثمة إسقاطات متعلقة بذات المروي.
وهذا بحد ذاته يشكل قدرة فنية لهذا النوع الادبي القصير ومن ثم فهو يؤشر إلى جملة من المشكلات والظواهر النفسية والاجتماعية وصولا إلى أن يثير فينا الأسئلة ويحرك حزمة من التخيل للتحليل والتركيب والاستنتاج وهذا بحد ذاته غاية ومطلب عقلي ضروري لتطوير الذات وديمومة التأثير والتأثر والتفاعل الايجابي.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.