الإمامة في القرآن

أن الخلاف في الإمامة ليس في شخص الإمام، وإنما تعدّاه إلى أصل ثبوت الإمامة بمعناها الأوسع من الحكومة والسلطة، بما يشمل المرجعية الدينية بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وإنّه من الخطأ ما وقع به الكثير من علماء الكلام عند تصويرهم للنزاع في شخص الإمام، فكما أن النبوّة لا تعني الحكم فقط، بل النبوّة تتضمّن العديد من الشؤون من ضمنها مسألة الحكم، كذلك هي الإمامة عند مدرسة أهل البيت عليهم السلام، بينما في المقابل حصرت مدرسة الخلفاء الإمامة في مجال السلطة فقط.
إنّ مقام الإمامة عند مدرسة أهل البيت عليهم السلام هي أرفع شأناً من مقام النبوّة، فأنبياء أولي العزم عليهم السلام جمعت لهم الإمامة إضافة إلى النبوّة، وليس من الضروريّ أن يكون كلّ نبيّ إماماً، بل إنّ كثيراً من الأنبياء عليهم السلام..لم يصلوا إلى رتبة ومقام الإمامة، فقد ورد في القرآن الكريم: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ولمعرفة دلالة الآية على الإمامة، لا بدّ من معرفة الابتلاءات التي عاشها إبراهيم عليه السلام، وموقفه منها..فقد ثبت إبراهيم عليه السلام أمام نمرود وألقي في النار، وهو مسلّم لأمر ربّه، ثمّ إنّه عليه السلام لم يرزق بذريّة إلا على كبر سنّه، ولما رزق بابنه، جاءه الأمر الإلهي بمغادرة بلاد الشام مع زوجته وطفله إلى الحجاز، وأُمر بترك زوجته وطفله هناك وحيدين والرجوع إلى بلاد الشام. وقد امتثل عليه السلام أمر الله بتسليم كامل، وقد أشار تعالى إلى هذا الأمر بقوله: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾..وأشدّ ما تعرّض له إبراهيم عليه السلام، وهو يدلّ على تسليمه المطلق أمام الأوامر الإلهية، الأمر الإلهيّ بذبح ابنه إذ قال: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ .
بعد كلّ هذه الابتلاءات التي تعرّض لها النبيّ إبراهيم عليه السلام، خاطب الله نبيه ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، فمتى كان ذلك؟ لا شكّ أنه كان بعد أن كان إبراهيم عليه السلام نبيّاً وبعد أن وصل إلى سنّ متقدمة وذلك لأمرين:أحدهما: إن الآية ذكرت أنّ إبراهيم عليه السلام نال الإمامة بعد أن اجتاز جميع الابتلاءات الربانيّة، وهذه الابتلاءات لم تحلّ به إلا بعد أن كان نبيّاً..وثانيهما: إنّ إبراهيم عليه السلام بعد أن أعطاه الله الإمامة طلبها عليه السلام لذرّيته، وهذا يعني أن الإمامة جاءته عندما كان له ولد، وهو عليه السلام لم يكن له ولد إلّا بعد النبوّة وبعد أن تقدّم به العمر.
فالإمامة هي عهد الله على ما ذكرته الآية، لأنّ إبراهيم عليه السلام أحبّ أن تكون الإمامة لذريته، ولكن الجواب كان ﴿قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾، فإذاً الإمامة هي من عهود الله. ولذا ترى مدرسة أهل البيت عليهم السلام أنّ الإمامة ترتبط بالله ولا شأن للناس بها. وهذا العهد لا يناله شخصٌ إلّا بعد أن يمرّ بمراحل من الطاعة والتسليم والانقياد لله بنحوٍ يصبح هو الإنسان الكامل. ومن هنا نجد الآية تخبر عن عدم وصول الظالم إلى مقام الإمامة. ولكن يقع الكلام في تحديد الظالم.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾..إنّ المراد من التطهير الذي ذكرته الآية الكريمة، هو التطهير ممّا يعدّه القرآن الكريم رجساً، وهو يشمل في القرآن كلّ ما كان قد نُهي عنه، سواء أكان من الذنوب الاعتقادية أم الأخلاقية أم العملية، ولذا يقول علماء مدرسة الأئمة عليهم السلام إنّ الآية تدلّ على عصمة أهل البيت عليهم السلام، إنّ هذا يشهد على أنّ المخاطب بهذه الآية هم أهل البيت عليهم السلام، فيما كان المخاطب بما سبق هذه الآية وما لحقها نساء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فكانت الآية كالجملة المعترضة التي ترد في سياق الحديث عن موضوعٍ آخر..من مجمل ما تقدّم، يظهر وبشكل جليّ وواضح أنّ مسألة الإمامة هي من المسائل الأساس في ديننا الحنيف، وقد دلّت عليها الدلائل الثابتة من العقل والقرآن والسنّة، ولا يبقى لنا إلا أن ندخل عبر بوابة البحث إلى الحديث حول قضية الإمام المهديّ عج الله تعالى فرجه الشريف، ذلك الإمام الذي يطبق المسلمون أجمعون على حتمية ظهوره، وأنه الإمام القائد للبشرية في عصر آخر الزمان.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.