المتقون في الدنيا

من مباحث نهج البلاغة التحذير عن الاغترار بالدنيا وعبادة المادة وقد اعتنى الإمام أمير المؤمنين ومن قبله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن بعده سائر الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين بهذا الأمر كثيرا، فتكلموا الكثير في التحذير عن الاغترار بالدنيا وفي فنائها وزوالها وزلاتها وعثراتها وأخطار الاعتناء بجمع المال والثروة، والتوفر على النعم، والمتع المادية والانهماك بها.

وقد يخلط البعض بين ذم الدنيا والحياة وكأنهما شيء واحد، وهذا ليس بصحيح على ضوء المنطق الإسلامي، إذ إنه يبتني على أساس التوحيد الخالص، والنفي لأي شريك لله في الخلقة والتكوين، فلا يمكن أن ينظر إلى العالم نظرة سيئة مقيتة، وإن فكرة (الفلك الظالم) و(ظلم الدهر) فكرة غير إسلامية فلا يمكن أن يكون ذم الدنيا في منطق الإسلام متوجها إلى الحياة. إذن فماذا يعني ذم الدنيا في القرآن الكريم ونهج البلاغة؟ فليس المقصود من ذم الدنيا، ذم الحياة، ولا ذم العلاقات الطبيعية والفطرية بل أن المقصود من ذلك، هو ذم العلاقة القلبية الموجبة لأسر الإنسان بيد الدنيا ومن في يده شيء منها. وهذا ما يمكن أن نسميه عبادة الدنيا، وهو الذي يكافحه الإسلام مكافحة شديدة، والإسلام في هذا يريد أن يردّ الإنسان إلى حالته الطبيعية في ضمن ناموس الحياة، فإن الإفراط في علاقة الإنسان بالدنيا خروج عن حالته الطبيعية.

المقصود من ذم الدنيا ألا تستبدل (الوسيلة بالغاية) و(الطريق بالهدف) و(وسيلة النجاة بسلاسل الأسر والعبودية) وهذا هو الذي ينبغي أن لا يكون، ولهذا نرى الإمام عليه السلام يقول: ويكرر: (الدنيا دار مجاز لا دار قرار، فخذوا من ممركم لمقركم)

والذي يحاربه الإمام والإسلام في تعاليمه وإرشاداته حربا لا هو ادة فيها هو أن يجعل المرء هذه الحياة هدفا وغاية لا طريقا ووسيلة. ويمكننا أن نلخص القول أن الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزوّد منها، ودار موعظة لمن اتعظ بها…. فذمها رجال غداة الندامة، وحمدها آخرون يوم القيامة، ذكرتهم الدنيا فتذكروا، وحدثتهم فصدقوا، ووعظتهم فاتعظوا».إذن، فالإسلام لا يرى العالم عبثا، ولا وجود الإنسان فيه خطأ، ولا عواطفه الفطرية غلطا.. وإذن: فماذا يعني ذم الدنيا في نهج البلاغة؟

ما تقدم هو ما ينبغي أن تكون عليه علاقة الناس بالدنيا، ولكن واقع الحال يدل على تفاوت الناس في النظر إلى الدنيا والتعاطي معها. ومن الواضح أن الإسلام لا يمنع من الجمع بين العمل للآخرة وللدنيا بمعنى الاستفادة منها، وإنما الممنوع منه في الإسلام هو الجمع بينهما بمعنى الهدف والغاية. فما من أحد إلا و يحتاج إلى شي‏ء من متاع الدنيا،و يسعى إليه جاهدا، وتحصيل ذلك أمر مشروع، ولكن حاجته قد تكون في يد ظالم أو متكبر لا ينالها صاحبها إلا بتنازل عن بعض قيمه أو كرامته، أو يقف دونها غير ذلك من الحواجز التي‏لا يتخطاها الإنسان إلا بالدخول فيما لا يليق، أو طمعا في ما لا ضرورة فيه فيقدم من لا حرج له في ذلك، وهذا شأن العبيد لا الأحرار «الطمع رق مؤبد»

وأما الأحرار فهم المتقون الذين يصبرون عن حاجتهم،ويضحون‏بها في سبيل دينهموكرامتهم، وكان في مقدورهم أن يبلغوا من الدنيا ما يريدون لو تنازلوا عن‏دينهموكرامتهم،و لكنهم أبوا إلا مرضاة الله فكانوا الأحرار»أرادتهم الدنيا فلم يريدوها وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها». حاولت الدنيا أن تمتلكهم و تستعبدهم بالمال والجاه، لكنّهم نظروا إليها بعين البصيرة وعرفوها حقّ المعرفة وعاشوا أحرارا لا سلطان عليهم إلا لله وحده.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.