كيف أحكمت الدولة العميقة خناقها على رقابنا..!

في زمن غابر, لكنه والحمد لله تعالى مدون، حيث قصور الملوك والسلاطين, وأيام «الخلافة الإسلامية», عندما كان الخليفة ملكا يدور في اليوم والليلة، على ألف من الجواري والغلمان متبخترا بفحولته، أيام لم تكن «الفياكرا» قد أختُرِعَت بعد؛ كانت منظومة الحكم السياسي, تقوم على عناصر أو مقومات وجودية ثلاثة, يستلهم منها الحكم والحاكم, ثوابت وجوده وديمومته وسلطاته.
المقومات هي: القبلية, والغنيمة, والعقيدة.
القبيلة كان لها أثرها الكبير, كمحدد لسلوكيات الحاكم, من خلال تشابك أنسجتها الإجتماعية, وإختلاطها مع منظوماتها القيمية, التي كانت تفرض احترامها، بل وحتى قدسيتها على الحاكم.
الغنيمة, كانت الحافز الرئيس, الذي يتفجر كنوع من أنواع الإرادة الجامحة, الراغبة بالسيطرة والإستحواذ, على ما يمكن عده غنيمة أو مكسباً، وهي بالمناسبة أي شيء يعده من لا يملك شيئا شيئاً!
لذا نجد أن قتال العرب، وبعد ذلك المسلمين منهم في عصر الخلافة الإسلامية والفتوحات, كان للغنيمة عندهم وقع سيكولوجي أصيل, يحرك به الحاكم إرادات جيوشه, ويحفزهم لدعمه ومساندة حكمه أو خلافته.
أما بالنسبة للعقيدة وهي الأخطر في تلك المقومات؛ فقد كانت تعد عاملا توظيفيا, يجري استغلاله ابشع إستغلال؛ لإيجاد غطاء آيدولوجي للحاكم, في ممارسة السلطة في ذلك الزمن؛ فكانت العقيدة تمثل عامل الجذب الروحي والوجداني, الذي يدفع الجمهور الى «البيعة»، التي تعني استسلاما وتسليما بمشروعية حكم الحاكم, ومشروعية ممارساته المغلفة بالقداسة.
في أيامنا, لم يغب هذا الأرث السياسي العربي, عن بال ساسة العراق الجدد؛ لذا نجد إن من أهم ما تميزوا به, وعلى مدى خمسة عشر عاما المنقضية، هو أن الممارسة السياسية عندهم وعند أفراد أحزابهم؛ تقوم على هذا المثلث التأصيلي؛ الذي شكلوا بموجب عناصره دولتهم العميقة.
الأساس الأول من أسس بناء الدولة العميقة؛ ونعني به «القبيلة», نجده واضحا صارخا، في تمكين الأقارب وأبناء العمومة والأصهار والأبناء, والمحاسيب والمحازيب، من التحكم بالعراق وبمقدراته وثرواته, يميلون به ذات اليمين وذات الشمال؛ صفقات مشبوهة, أموال مهربة, بنوك وغسيل أموال، وأملاك وناطحات سحاب, في عواصم أجنبية وعربية، تسجل بأسمائهم وأسماء محاسيبهم ومحازبيهم.
«الغنيمة»؛ وإن كانت متداخلة مع عنصر القبيلة, إلا أن ما ميزها, هو فتح الأبواب على مصاريعها، لكل من أراد أن يغنم من العراق, ومن ثروات العراق, فتحول البلد الى مرتع للمفسدين, بل وجعل المفسدين مادة حكمه, ومداد فكره, وآية ملكه؛ وما هو أدهى وأمر؛ إبعاد الصالحين ومحاربتهم.
أما «عقيدة» الدولة العميقة, فالموضوع لايحتاج لشرح طويل مفصل, فالتأريخ القريب لم يجف حبر من دونه, وهو يشهد بأن الذين كانوا من دعاة حمل راية: يا لثارات الحسين, يا لثارات الشيعة, يا لثارات الإسلام؛ ما أن استتب لهم الأمر, حتى جسدوا أقذر صور الإنقلاب على الأعقاب, وواضح ما هم فيه من تسلق أكتاف العقيدة, وحولها الى سُلَّم ناجح ومفيد, للوصول الى الغايات السياسية؛ الشخصية والحزبية والفئوية الضيقة.
كلام قبل السلام: هل ثمة أحد بعد كل ذلك, يؤمن بأن هذه الزمر, تسعى فعلا لإقامة دولة كفاية وعدل, تحترم كرامة المواطن ودمه وثروات بلده؟!
سلام..

قاسم العجرش

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.