شناشيل البصرة .. تراث معماري مهدد بالاندثار

البيوت العراقية القديمة المعروفة بالشناشيل والتي كانت تنتشر بكثرة في محافظة البصرة بدأت تندثر ولم يبقَ منها إلا ما يقارب 425 إلى 450 داراً تراثية.قبل نحو نصف قرن، كان عدنان يقف طفلا مبهورا أمام الشناشيل الشرقية، والشناشيل مفردها شنشول، هي شرفات خشبية مزخرفة هندسيا بالرسم على الزجاج، تعمل على إبراز واجهة الطابق الثاني بأكمله أو غرفة من غرفه بشكل شرفة معلقة بارزة إلى الأمام.
في مدينة «الشناشيل»، كما تلقب هذه المدينة الغنية بالنفط، يعاني التراث من إهمال كبير في وقت تعجز الحكومات المحلية عن تقديم الحد الأدنى من الخدمات الأساسية للسكان الساخطين على الفساد ونهب عائدات صادرات الذهب الأسود.
إلا أن حقبة «الزمن الجميل» راسخة في ذاكرة عدنان خلف البالغ من العمر 71 عاما، فهو لا يزال حتى اليوم قادراً على الحديث لساعات عن تلك المدة مستذكرا أسماء أعرق عائلات المدينة من يهود ومسيحيين ومسلمين كانوا يعيشون حياة رغيدة في تلك المنازل التقليدية.
وصلت الشناشيل إلى مدينة البصرة في القرنين السادس عشر والسابع عشر، على ما يذكر مدير القصر الثقافي والفني لمدينة البصرة عبد الحق مظفر، وانتشرت بعد ذلك في باقي مدن البلاد بينها بغداد وصولا إلى بلاد الشام ومصر.
الأسلوب المعماري الذي تمتاز به الشناشيل عن غيرها من بيوت المحلة يضفي عليها نكهة خاصة في تاريخ التراث المعماري العراقي.
وكانت كل منازل التجار البورجوازيين أو أبناء الطبقة الأرستقراطية المحلية في البصرة، مزينة بالشناشيل المصنوعة من عارضات خشبية مغلفة بشمع طبيعي مقاوم للماء والنار، والتي تجعل من تلك البيوت تحفا فنية.
وتمتاز الشناشيل ببرودة الجو داخلها وخصوصا في الصيف اللاهب الذي تمتاز به محافظة البصرة، إضافة إلى الألفة الاجتماعية التي تخلقها هذه الأجواء، كما أن هذه الشرفات تمنح بعض الخصوصية للنساء تحديدا للنظر إلى الشارع، وخصوصا في بعض المناسبات كالأعراس وبعض الاحتفالات التي كانت حكراً على الرجال دون النساء. يقول المهندس المعماري موفق الخياط: الشناشيل على اختلاف تصاميمها، تمنع دخول أشعة الشمس بصورة مباشرة إلى المنزل، ويتم ذلك بواسطة النوافذ ذات المشبكات الخشبية المثلثة، فضلا عن توفيرها الظل للزقاق أو الشارع، وبذلك كانت طريقة مناسبة للتخفيف من حرارة البيوت في المناخ العراقي الملتهب صيفا.
وعند حلول الظلام يضيء السكان منازلهم ليخترق النور زجاج الشناشيل التي تجمع تأثيرات هندية وفارسية وإسلامية، إذ تمتد خيوط ملونة بالأخضر والأحمر والأصفر والأزرق على طول الشوارع.
وتنتشر الشناشيل بكثرة في محافظة البصرة، ابتداء من أبي الخصيب والتنومة والسبيلات والرباط والبصرة القديمة والكثير من المناطق الأخرى.
يروي خلف أن الملك فيصل الثاني، آخر ملوك العراق، كان ينزل خلال زيارته للبصرة في بيت الوالي الواقع على ضفة النهر الذي يقسم المدينة ولم يعد الآن سوى مجرى ضعيف للمياه تطفو على سطحه النفايات.
بعد سقوط الملكية في العام 1958، تدهورت أوضاع هذه المنازل تدريجيا، منها ما انهار ومنها من حوله صاحبه إلى بيت عصري، وبدأ زحف العمارة الحديثة يشكل تهديدا متناميا للشناشيل، وقد يفضي في نهاية الأمر إلى اندثارها.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.