زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الى العراق وخطورتها على مستقبل البلد

محمود الهاشمي
ربما لم تنشغل الأوساط العراقية بزيارة لمسؤول عربي مثلما انشغلت بالزيارة المزمعة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان الى العراق والتي من المقرر أن تكون محافظة النجف احدى محطاتها الأهم وربما كربلاء أيضا , بالإضافة الى بغداد ..
فبينما تخطط أوساط رسمية وحزبية عراقية للزيارة , رفعت أخرى منسوب الاحتجاج على الزيارة الى درجة ان لافتات غطت شوارع محافظات مثل النجف وكربلاء تعلن فيها صراحة رفضها لهذه الزيارة بل أن بعض الفصائل المقاومة هددت باتخاذ إجراءات صارمة بحق الزائر وبحق من يفكر باستقباله .
زيارة ابن سلمان للعراق في وجهها الآخر تحكي تأريخ حكومة آل سعود مع العراق المحمل بآلاف الذنوب , وكيف دفع العراقيون قديما وحديثا من الدماء ما يصلح أن يكون أنهارا , ويكفي أن نذكّر بهجوم الوهابيين على مدينة كربلاء المقدسة والنجف الاشرف عام ١٨٠٢م وقتلهم نصف عدد السكان واستباحة الأرواح والحرمات والمقدسات ودخول دوابهم الى الحرم الشريف بالاضافة الى سرقة جميع مقتنيات المزارات الشريفة في كلتا المدينتين , ومازالت كتبهم ومناهجهم تعد هذا الهجوم واجبا شرعيا, والذي قام بهذا الهجوم وقاده جد محمد بن سلمان المدعو عبد العزيز بن محمد .
وممّا لا شك فيه فأن المملكة وراء الحرب العراقية الايرانية ونذكّر بما قاله الملك فهد {علينا المال وعليكم الرجال} وما كان في هذه الحرب التي أمتدت على مدى ثماني سنوات من ضحايا وتدمير , ولما كان المسلسل الدموي لهذه الدولة معنا طويلا فنختم بأن دخول قوات التحالف الى الاراضي العراقية في الحرب الاخيرة كان عبر الاراضي السعودية , وأنهم واكبوا هذا الدخول بعداء مفرط للعراق والعراقيين عبر فتاوى التكفير وارسال أكثر من خمسة الاف انتحاري سعودي ليفجروا انفسهم في مدن العراق, كانت سببا لاستشهاد العشرات من العراقيين وتدمير البنى التحتية للعديد من المؤسسات والمحال التجارية وغيرها . وآخر عداء للحكام السعوديين كان للحشد الشعبي ولفصائل المقاومة عموما ولقياداتها , ثم المحاباة لاسرائيل والحرب على اليمن والوقوف ضد التحول الديمقراطي في البحرين.
المسؤولون في السعودية حتى هذه اللحظة لم يظهروا ما يجعلهم مقبولين لدى العراقيين , بل أعلنوا انهم سيدعمون قائمة سياسية في العراق بالانتخابات التشريعية المقبلة , من باب التدخل بالشأن السياسي الداخلي للبلد, وبنقل المعركة مع ايران الى الحدود , وانهم يرغبون باعادة العراق الى الحضن العربي فيما يرى كثيرون ان هذه الدعوة غير صحيحة فالسعودية لم يشهد لها موقف عربي واحد يعزز دعوتها هذه فهي تكاد ان تكون غريبة وسط الوطن العربي لكثرة تدخلاتها السلبية ولشدة خلافاتها مع معظم الدول العربية .
المسؤولون السعوديون فتحوا أبواب العلاقة الجديدة مع العراق عبر سلسلة أجراءات منها اللجنة التنسيقية بين البلدين , وقدوم فريقهم الكروي للعب بالعراق ومشروع اهداء ملعب بكلفة مليار دولار ومشروع فتح قنصلية في البصرة والنجف , وقريبا سيتم فتح معبر عرعر الحدودي بين البلدين .
سبقت ذلك زيارات متبادلة بين كلا البلدين . وهنا نسأل الى أي حد يستطيع العراقيون الاستفادة من العلاقة مع السعودية وبالذات الزيارة المزمعة لابن سلمان الى العراق وخصوصا الى محافظة النجف ؟.
المتابع للشأن السعودي يرى أن تحولا كبيرا في السعودية يجري الان في ظل مشروع ابن سلمان الذي بدأه وينتظر أن يكمله بعد اثني عشر عاما , حيث بدأ معترفا بأن الفكر الوهابي ما عاد يصلح أن يكون منهجا للحياة لا في المملكة ولا خارجها , منتقدا خلال حوارات مع عدة صحف أميركية الفكر الوهابي , ومعتبرا انه كان {مطية} بيد أمريكا في أيام الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي المنحل , ومحملا اياه كل تاريخ القتل والدماء التي حدثت في العالم وبضمنها احداث سبتمبر في أمريكا .
بدأت أجراءات ابن سلمان بالانسلاخ عن {الفكر الوهابي} المتطرف شيئا فشيء عبر سلسلة اجراءات منها قيادة السيارة للمرأة وافتتاح المسارح والمراقص واستدعاء كبار المطربين لاحياء الحفلات في محافظة جدة الساحلية , والفتوى بالسماح للاستماع الى موسيقى الجاز , وفوق ذلك التضييق على لجنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي كانت بمثابة السوط على حرية الناس , وهذه الاجراءات يمكن ان توصف بالخطيرة في ظل حكومات امتدت على مدى ثلاثة قرون , ووصفت بالأكثر تطرفا بالعالم .
أن النواة الاولى التي تشكلت بها أول حكومة لآل سعود في عقد نجد عام ١٧٤٧م بين محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب تشكلت وفقا لمبدأ العداء للشيعة وتكفيرهم وهو السبب {المصلحي} الذي شجع محمد بن سعود للموافقة على العقد لانه كان في حرب مع {آل خالد} من القبائل الشيعية في شرق البلاد لانه سيضمن روحا جهادية للقبائل المنضمة معه في قتال خصومه. فالعقد هنا لم يكن عقداً مبدئيا بل فرضته المصلحة وبه سادوا أرض الحجاز وفرضوه على بلادهم ومن والاهم فيما بعد , ونظّروا له كثيراً وانفقوا المليارات من أجل نشره .
هذا العقد الذي بدأ بالعداء للشيعة هل يمكن ان تكون نهايته في التقرب للشيعة ؟ محمد بن سلمان الى -حد قريب – لا يمكنه الاعلان عن زيارة الى النجف الاشرف بما في ذلك من خطورة على مصيره ومن مدلولات {طائفية} فكيف له الان أن يغامر في الاعلان عن الزيارة ؟ والتي تفرض عليه زيارتين مهمتين الاولى لمرقد الإمام علي «عليه السلام», وكيف ستنقل وسائل الاعلام صورته وهو يتضرّع أمام المرقد الشريف الذي يرى فيه محمد بن عبد الوهاب بدعة ويكفّر من يقوم بها ؟ والزيارة الثانية الى مكتب السيد السيستاني «حفظه الله ورعاه», ولابد أن يخضع لشروط الزيارة ايضا ناهيك أن ولي العهد بن سلمان يدرك تماما رمزية المرجع الاعلى السيد السيستاني , مثلما يدرك جميع رجال الدين الوهابيين ذلك , وهنا سيكون ابن سلمان في أمر واقع تتمدد تداعياته على جميع أرض المملكة ومثل ذلك على العالم أجمع .
لسنا بحاجة الى أموال آل سعود , ولدينا -والحمد لله –ما يعيننا على حياتنا ومتى ما قضينا على الفساد الاداري والمالي فان بلدنا سيكون بمستوى تاريخه وسعة ثرواته , ولكن ما يهمنا أن نكون بمستوى المسؤولية والفطنة في التعامل مع هكذا زيارات .
من خطط للزيارة ليس في باله التخطيط للزيارة لصالح العراق والعراقيين , بل في بالهم أنهم يجنون من الرجل مبالغ مالية مثلهم مثل خادم الفندق والمطعم حين يغرق الزبون بالخدمات ليعطف عليه بمبلغ بسيط {بخشيش}. أي ليس هنالك من خطة استراتيجية للاستفادة من العلاقة مع دول العالم .
في أعتقادي أن العراق غير مؤهل لاستقبال {ولي العهد} لا كحكومة لديها أنسجام وتفاهمات تضع فيها مصلحة البلد فوق كل المصالح ولا كأعلام سوف يتحرك دون استراتيجية وتجد التقارير تتضارب فيما بينها وكأنها في حرب كلا وفق أجندته فيما سيقع الشعب ضحية هذه المناكفات وتترك آثارها السلبية على الشارع . أن زيارة بن سلمان جاءت بتوصية أمريكية ومخطط لها أن تحدث صراعا طائفيا في العراق تعقبه فوضى تكون خلالها الولايات المتحدة قد هيّأت لنفسها ظروف العودة بقواتها الى العراق .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.