أزمة تنذر بعواقب وخيمة

يُعَدُّ العجزَ فِي الميزانِ المائي مِنْ المشكلاتِ القديمة فِي العراق؛ بالنظرِ لتزايدِ النشاطات الخاصة بإنشاءِ السدود والمشاريع الاروائية الكبيرة فِي مناطقٍ مختلفة مِنْ دولِ المنبع، بالإضافةِ إلى إخفاقِ الحكومة العراقية فِي التنسيقِ مع الدولِ المجاورة التي شرعت بإنشاءِ مشاريع مائية ضخمة عَلَى نهري دجلة والفرات، وهو الأمر الَّذِي أفضى إلى الإخلالِ بالميزانِ المائي بفعلِ العرض المحدود والطلب المتزايد عَلَى المياه العذبة. وقد برزت المشكلة المائية ما بَيْنَ العراق وتركيا لأولِ مرةٍ فِي منتصفِ أعوام العقد السابع مِن القرنِ الماضي حين بلغ نقص المياه فِي بالأنهار العراقية حداً كبيرا؛ نتيجة شروع الحكومة التركية بحجز المياه وتخزينها فِي «سد كيبان» الَّذِي يُعَدّ احد أضخم سدود تخزين المياه فِي المنطقة.
المثيرُ للاهتمامِ أَنَّ القضيةَ الأعقد فِي ملفِ المياه العراقية بالاستنادِ إلى إدارةِ المياه العراقية تتمثل فِي إنجازِ سد «اليسو» الَّذِي أقامته الحكومة التركية عَلَى نهرِ دجلة مِنْ اجلِ بسط سيطرةٍ اكثر عَلَى هذا النهر بعد أنْ حققت سياساتها – بمساعدةِ المال العربي – نجاحاً كبيراً فِي السيطرة عَلَى حوضِ الفرات؛ إذ انخفضت الايرادات المائية العراقية بنسبةٍ كبيرة وصلت بحسبِ البيانات الرسمية العراقية إلى (30%). ويرى المتخصصون إنَّ العراق سيفقد ما بَيْنَ (40 – 45%) مِن الإيراداتِ المائية فِي حالِ استكمال دول الجوار للمعلنِ مِنْ مشروعاتها.
ليس خافياً أنَّ العراق عانى مِنْ جفافٍ شديد خلال الأعوامِ الماضية فِي جميعِ محافظات البلاد؛ نتيجة قلة سقوط الأمطار أو انحسارها، فضلاً عَنْ انخفاضِ مناسيب المياه لنهري دجلة والفرات الَّذِي ترافق مع سوءِ تصرف المزارعين بالمتاحِ مِن المياه فِي عمليةِ إرواء البساتين وسقي المزروعات. يضاف إلى ذلك الخيبة فِي إيجادِ البديل المناسب بفعلِ الإهمال الحكومي الواضح، وَالَّذِي لا يحتاج إلى برهان. وأدهى مِنْ ذلك تأكيد المتخصصين فِي شؤون المياه أنَّ سوءَ إدارة الموارد المائية فِي البلاد لا تقل خطراً عَنْ توجهات الحكومة التركية وسياساتها الرامية إلى السيطرةِ عَلَى المواردِ المائية من أجلِ هيمنتها وبسط نفوذها فِي المنطقة.
مِنْ المعلومِ أنَّ محافظاتَ جنوبي العراق كانت أكثر تأثراً بأزمةِ المياه مِنْ غيرها، حيث تعرضت تلك المناطق فِي الأعوامِ الماضية إلى أزمةِ مياه حادة تُعَدّ الأكثر سوءاً منذ سنوات، فضلاً عَنْ وصول حدتها إلى خلافاتٍ ما بَيْنَ عدد مِن المحافظات، كعزمِ حكومة ميسان المحلية رفع دعوى قضائية علَى محافظتي واسط وذي قار؛ بالنظرِ لشدةِ تداعيات تلك الأزمة وتسببها فِي توقفِ أعمال بعض مجمعات الخاصة بإنتاجِ المياه النقية، إضافة إلى أنَّها باتت تهدد بتوقفِ عدد آخر مِنْ مشروعاتِ المياه الصالحة للشرب، بعد أنْ أثرت بشكل كبير في جميع الأنشطة الزراعية، مع العرضِ أنَّ (80%) مِن المياه التي تتم ادارتها تخصص إلى أنشطةِ القطاع الزراعي الَّذِي لا يتعدى ناتجه الإجمالي المحلي نسبة (30%)، فِيما تؤمن النسبة الباقية مِنْ احتياجاتِ السوق المحلي بالاستيراد مِنْ خارجِ البلاد.
فِي أمَانِ الله.

لطيف عبد سالم

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.