المقامة الكحلية

أمين صباح كبة

أمّ بقلبي وصلّى، ولامسني خيط ناره وصلى، قد رُمت من قلبه وصلاً؛ فلما ارتعد الهواء من ذكره، طلّ علينا بضياء بدره، ولما تكحّل بالأثمد، وسبّح للأوحد، وقيّد الدجى بعينيه، واعتجر الظلام بمقلتيه، توهج خضاره، وأشعل ناره، وصوب سهمه، وأذاقنا سقمه. فلما شغل الفِكَر، وفار بركان جماله وتفجّر، وتضوّعَ عبقهُ وعطّر، وفاح شذى روضه مسكاً وعنبر، وأقحوانا وعبهر، أخَذَنا بهالته وسَحر، فرددنا ببزوغه «الله أكبر»؛ تسلل ضياؤه إلى أعيننا فنوّر، ووصل إلى قلوبنا واستقر، وأخذ عقولنا وأسكر، وهاجم عواطفنا بجيوشه وعسكر. فقلت: شعرٌ آرقني باصطياده، وسحر شلّني بأوراده، أذاقني السُهام، برشق السهام، ثم هجرني وسجى، وجعلني مرتعدا مُسجى، قالت :لا تغرق ببحر الدجى، واغرق بليلٍ قد طال، ولا تنشغل بما صال وجال، ولا تيأس وإن آذتك الدنيا بِشرّتها، ولا تكن من عشاقها وأحبتها، ولا ترتعد من الموت إذا هجم، ولا تجافِ خلّك وإن وجم. قلت: يا من رسمت من جمالها الحروف، كم أرغمت بشموخك من أنوف، وكم سللت بنظرتك من سيوف. قالت: يا من غرق بموجٍ عَلا من ضحكة عُلا، أيها المتشبب ببدر حَراء، أيها الغارق في لجج الأوهام والمتذلل طوعا من جمال ريام، قد ضللتك الخطوب وقادتك نحو الردى والحِمام؛ يا من تناسى فضلي بذكر فيان؛ يا من بدا من طول صمته أبحّ الصوت؛ اعلم أن من عمل ما شاء لقي ما لا يشاء، وإن الغفلة من أضر الأعداء. وأضافت: ولسانك حصانك، إن صنته صانك. قلت: بحر شعري من هجركِ تضحضح، وعودي انحنى وأمري انفضح، هلّا تفضلت بخيطٍ من سناك؟ قالت: سنايَ من فصيح كلامك فإذا قطعته انطفى.
فلما ترددتْ كعلم يرفرف وتشاغلت كأنها لا تعرف قلت: ألستِ التي صيرتها قمرا؟ قالت: بلى. قلت: أنا الذي بهجرك ابتلى غازلتهن متذللا منخذلا وهمرت بشعري الفلا. قالت: الاستغناء عن العذر أعز من الصدق به. ثم التفتُّ فإذا بها قد اختفت. فلما رأيت البدر يتلألأ كأنه وجهها، أقبل رفاقي وأحاطوني ووجدوا يديَّ ملطخةً بالكحل، ولما تطلعت إلى القمر وجدت فيه وجه إيلاف، فلما تساءلوا عنها قلت تلك من أهوى ولما تساءلوا عن الهوى درت حول نفسي وأنشدت:
ليت شعري هل دروا
أي قلب ملكوا
وفؤادي لو درى
أي شعب سلكوا
أتراهم سلموا؟
أم تراهم هلكوا؟
حار أرباب الهوى
في الهوى وارتبكوا.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.