جامعة الدول العربية صارت مانعة الشاعر الموريتاني أدي ولد آدب: نستورد النظريات والمناهج دون مراعاة الفوارق

المراقب العراقي/ جمال بوزيان

القسم الثاني

ضيْف صحيفة «المراقب العراقي» اليومَ شاعر مُهاجِر؛ لا يَرى حدودا للوطن؛ كتبَ الشِّعر؛ وأسّس بيْتَ الشِّعر؛ له أشعار في «بِنت شنقيط» والرّثاء والهجاء؛ ألّف «رحلة الحاء والباء»؛ و»تأبّط أوراقا» دون عناء… يُجيد مُداعَبة القصيدة على مهل؛ لا يتوكأ شِعره على أحد؛ شاعر مُشرِق مِثل الشّمس في رابعة النّهار؛ يَنهل من مُعجَم فريد؛ ذو قلم خصيب؛* هلْ تَرى حلولًا للمُشكِلات الثّقافيّة خاصّة اللّسانيّة «اللّغويّة» في العالَم العربيّ؟ وكيْف تَرى مُستقبَل الحركة الأدبيّة والنّقديّة بها؟
ـ هذه مُشكِلات أُمَّة، تتراكم بشكل متفاقم، ولا تنفع فيها الحلول الفردية، ولعل أخطرها هو عقمنا النخبوي في مجال ابتكار الحلول الذاتية الفعالة، فكما أنّنا نستورد الخطط والنظريات السياسية والاقتصادية المنتهية الصلاحية، من الخارج، نفعل ذلك في النظريات والمناهج اللغوية، والنقدية، والأدبية عموما، دون مراعاة لفوارق اللسان، والمكان، والزمان، والإنسان، وحتى فلسفة البلاغة والبيان، فنحن اليوم غالبا نتكلم بغير لساننا، ونعبر بغير بياننا، وننقد بغير نقدنا… وقد سبق لي أن نشرتُ مقالا تحت عنوان (حتى نقادنا عالة على»صندوق الدولي»، قرعتُ فيه أجراس الإنذار مِنْ تقمُّصِ النظريات النقدية الغربية المنتهية الصلاحية، لأنها – في الغالب- «قياس مع وجود الفارق».
*: كيْف تَرى اتّحاد الكُتّاب العرب؟
ـ ليستْ «اتحادات»، فهي انشقاقات، وينتمي لها كثير ممن ليس -أصلا-من «أهْل الكِتَاب» ، ولم يصدر له أي شيء ذي بال، كما أن انتماءها الحضاري والثقافي «للعرب»، ليس- غالبا- بذلك العمْق، الذي يشي بالعروبة، ولا التعرُّب، اللهم إلا بعدّ النسبة تقع بأقل سبب. وانسجاما مع هذا التصور لم أنتسب أبدا لأي «اتحاد كُتَّاب» داخلي، ولا خارجي.
* هلْ ما يقوم به حُماة اللِّسان العربيّ من مشروعات كافٍ؟ وماذا تَقترح؟
ـ مَن يرفعون شِعار «حُماة اللسان العربي»، كانوا دائما مخذولين من الدوائر السياسية العليا، ومِن خصومهم من حُماة «اللسان الأجنبي»، المُمَكِّنِ لهم من طرف الأحكام العربية، وهنا أثمن ما أنجزه «مكتب التعريب»، التابع لجامعة الدول العربية، التي أصبحت «مانعة»، وليست «جامعة»، فتلك المعاجم الكثيرة التي أصدرها هذا المكتب تعدّ أفضل ما أنجزته تلك «الجامعة» للعرب، والعربية، رغم ضعف التوزيع.. والانتشار.. واليوم أُثَـمِّن مشروع «معجم الدوحة التاريخي»، الذي تفضّلتْ قَطر بالانفاق عليه بسخاء، واستقطب الأساتذة العرب المشرفون عليه طواقم من صفْوة خبراء اللغة العربية، لتحقيق حلم «أول معجم تاريخي» للغة العربية، يُضاف للمعاجم التاريخية في اللغات العالمية، الأقل منها عراقة وأصالة وثراءاً وقداسة.. وليس لي مِن مقترح غير الدعوة إلى الإخلاص في الخدمة الحقيقية للغتنا الجميلة.. رسميا، وشعبيا، وجماعيا، وفرديا.
* لا يزال حنين المسلمين إلى «الأندلس الـمفقود»؛ كيْف يَقطف القرّاء ثِمار الشّجرة الخضراء من خلال كتابكَ «الـمفاضلات في الأدب الأندلسيّ… الذّهنيّة والأنساق»؟
ـ حنينا الخالد، لذلك الفردوس الأندلسي المفقود، كان أكبر حافز عندي لإعادة بنائية بين دفتي ذلك الكِتاب، لأقدم للقارئ دراسة تنفذ به إلى صميم الذهنية الأندلسية في جميع أبعادها، وأنساقها؛ وهكذا «تَجَلَّتْ تلك الذِّهْنِية النَّزَّاعَة إلى التفَاضُل ـ عبْرَ التفاعُلِ الخَلاَّق ـ هُوِيَّةً أدبيةً، مُبْدِعَةً في بَيانِها، أنْدَلُسِيَّة فرْدَوْسِيَّة في مَكانِها، رَبيعِيَّةً في زمانِها، عَرَبِيَّةً في إنسانها ولِسانِها، إسْلامِيَّةً مُنْفَتِحَةً في إيمانِها، و تَمَذْهُبِهَا، وعِرْفانِها، وهذه هي ثوابتُ شخْصيتها، التي شكَّلتْ حَلقاتِ العمود الفقري لهيكل الأطروحة، إلا أنها ظلَّتْ- أيضا- إنسانية كونية، في انفتاحها على عوالمها الحافة بها من خارجها»، ولستُ أدري حتى الآن ماذا قطف القارئ العربي، من ذلك «الفردوس المفقود»، عبْر كتابي: «المفاضلات»، غير أن الجهة الناشرة تقول مؤشراتها أنه كثير المبيعات… ما أعرفه أنا أن مركز بحث واحد في موريتانيا أقام حوله ندوة نقدية، عام 2015 م، وواحدة من قنواتنا التلفزيونية المستقلة، استضافتني مرة للحديث عنه، في تلك السنة، إضافة لتقديمه صحفيا إبان صدوره، في عدة صحف قطرية، ومواقع الكترونية موريتانية. وفي الحقيقة أنا- كعادتي- لم أمارس له الدعاية، والترويج، لم أطلب من أي جهة تقديمه، ولا دراسته، ولا..
* بصفتكَ «كاتِب رأي»؛ في مقالكَ الأدبيّ الـمنشور «بلاغة الوجه» يبدو انسجام تامّ في التّطابق مع الـمنطق الفلسفيّ «الـمفهوم والـما صدق»؛ ما رأيكَ؟
ـ لستُ فيلسوفا، ولا متفلسفا، حتى أخوض في تلك الإشكالات والمصطلحات المنطقية، أنا أكتب زاوية ثقافية أسبوعية ثابتة، في جريدة الوطن القطرية، أحرص فيها على أن تكون مقالاتي ذات قضية، تناقش أطروحتها الثقافية في حدود الحيز الضيق المتاح، بصورة ضد السطحية، وضد التفلسف، وكل ظِلال الفلسفة التي ربما يشعر بها القارئ، متسربة إليّ من قراءاتي في مكتبة شقيقي أستاذ هذه المادة، المرحوم الدكتور حمَّ بن آدب، يمكن إعرابها بأنها» مجرورة بالمجاورة».
* في أشعاركَ ألـمٌ وأملٌ؛ كيْف تَرى ما يَحدُث للعالَم العربيّ والإسلاميّ من فَواجِع ومَواجِع شعوبًا ودولًا بداية من فلسطين وأزمة البيت الخليجيّ؟ ومتى نَرى مَطالِع الفجر؟
ـ الحقيقة أن هذا الواقع الشاخص، والـمُشَخَّصَ، على مثله تبكي البواكي، ويستحيل ـ ضِمْنه ـ على مزاج الشاعر، الخارق في الإحساس، والتفكير، والتصوير، والتعبير، أن يكون رائقا، أو متلبسا بالسعادة العليا، وسط دوامة الألم والقرف التي تعيشها أمته العربية والإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، ومن هنا تكون مهمته الأدبية مزدوجة: يبكي الواقع تصويرا، وتعبيرا، استجابة لفطرة التألم المجبولة في أرواحنا وجهازنا الحسي، ويتسامى عليه تبشيرا بتغييره، واستثمارا في زراعة الأمل، في حقول الألم، حتى لا يظل مقتصرا على دور النادبات في المآتم.
* إنْ يكنِ الـمتنبّي بيننا اليومَ؛ ما تراه يقول بلسانكَ؟
ـ سيقول:
«بِمَ التَّعَلُّلُ؟.. لا أهْـلٌ.. ولا وطَـــنُ»!
شُـعـــــــــــوبُنَاغَنَـمٌ أوْطـــانُـنَـــا.. دِمَنُ!
آهٍ.. «قِــفَا نَبْكِ».. مَـــازالـــتْ «مُعَلَّـقَــةً»
لمْ يَمْحُهَا «حَــائطُ المَبْـكَى».. ولا الـزَّمَنُ!
* ما آخر كِتابٍ قرأتَه؟
ـ رواية «الحدقي» للكاتب الموريتاني أحمد فال الدين، الصحفي بشبكة الجزيرة الإعلاميّة، وهي تتلهم عالَم «الجاحظ»، وقد كتبتُ عنها مقالا في زاويتي بعنوان» الحدقي: لعبة التشبيه.
* ماذا عن مشروعاتكَ؟
ـ الآن أعمل مستريح الضمير، ومنسجما مع نفسي، وهُويتي، «خبيرا لغويا» في مشروع «معجم الدوحة التاريخي»، الذي أشعر أن جهدا أبذله فيه، يعتبر استثمارا خالدا، في اللغة العربية، وأجيالها القادمة عبْر التاريخ، وهذا أقل ما تستحقه علينا «لغة السماء»، وفي المجال الشِّعري أعتزم إصدار جل مجموعاتي الشِّعرية المذكورة آنفا، إضافة لنشر ما أمكنني من أبحاثي المتواضعة في مجالي الأدب الأندلسي، والأدب الموريتاني، والثقافة العربية عموما… إيمانا مني بأن وجودنا -خارج النشر الورقي- هُلاميٌّ، وهَشٌّ، يموت بموتنا مباشرة.
* سعيدٌ بكَ اليومَ دكتور؛ كرمًا لا أمرًا؛ اختمِ الحوار.
ـ أشكرك أخي الأستاذ جمال بوزيان، على إتاحتك لي محاورة نبيه ونبيل مثلك، أشترك معه، عشق هذه الثقافة العربية لغة وآدابا، درسا، وتدريسا، دامت مقابلاتك.. مَثابة للقلوب والأفكار.. في ظل التصحر الثقافي، والتسطيح الفكري، والتسليع الفني.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.