هل تندلع الحرب في الصحراء ؟

بقلم سعيد الوجاني

اجتمعت لجنة الخارجية والدفاع بالبرلمان المغربي في اجتماع طارئ ، بدعوى التصدي للأخطار التي تتعرّض لها القضية الوطنية لكن الإثارة ، ان بعض النواب طرقوا باب الحرب لتصحيح الوضع المختل بالمنطقة منذ مدة طويلة . جبهة البوليساريو بدورها بدأت تلوح باستعدادها لحمل السلاح من جديد ضد المغرب ، فيما إذا فشلت الوساطات الدولية، ليس في إيجاد حل منصف وواقعي ، بل إذا عجزت عن تنظيم الاستفتاء كخيار وحيد وأوحد ، يؤدي الى الانفصال . لكن هل الحرب ضرورية اليوم بالمنطقة ؟ من خلال الرجوع الى الظروف التي فرضت الحرب منذ النصف الثاني من السبعينيات ، وحتى التوقيع على اتفاق وقف اطلاق النار في سنة 1991 ، سنجد ان تغييرا أساسيا قد طرأ على المنطقة ، سواء بالنسبة للوضع المادي لجبهة البوليساريو أو بالنسبة لحاضناتها الجزائر التي تعد الطرف الرئيس في الصراع أم بالنسبة للمغرب التي تمكن من الاستفادة من أخطاء الماضي ، كما تمكن من تغيير المعادلة حين ثبّت قبضته على الأرض . فالمغرب اليوم ليس هو مغرب الامس من حيث نوعية التسليح ، ومن حيث الاستراتيجيات الجديدة للجيش التي جعلت منه أقوى جيش بالمنطقة . فبالنسبة لجبهة البوليساريو ، فقد أدى مقلب الحسن الثاني بنصب فخ وقف اطلاق النار تحت اشراف الأمم المتحدة الى تجريد الجبهة من شعاراتها الثورية «حرب التحرير الشعبية» ، فتحولت الى منظمة من الثرثاريين البرجوازيين الذين استحلوا النضال السياسي والدبلوماسي في أروقة الأمم المتحدة ، وطرق أبواب محكمة العدل الاوروبية . فحين يتم سلخ منظمة من قميصها الثوري المسلح ، وإعادة الباسها قميص المفاوضات غير المرهونة بتاريخ محدد ، يكون ميزان القوى في الساحة قد تغير لفائدة المغرب على حساب المصالح الضيقة للجبهة . هكذا سنجد انه مرت على توقيع اتفاق وقف اطلاق النار ستة وعشرين سنة ، ولا استفتاء تم تنظيمه بالمنطقة ، لا من طرف مجلس الامن ، ولا من الجمعية العامة للأمم المتحدة . فكان من المتوقع بعد انشاء «المينورسو» ان ينظم الاستفتاء في سنة 1992 أو 1992 وفي أبعد تقدير في سنة 1993 ، لكن الوضع مازال كما كان بعد 1991 ، بل أصبحت جبهة البوليساريو مقيدة بنص اتفاق وقف اطلاق النار الذي يحمّل المسؤولية الجنائية والدولية للطرف الذي سيخرقه . فالمغرب وبمقتضى نص اتفاق 1991 ، أضحى في وضع مريح سيكولوجيا ، وماديا ، كما أضحى المتحكم الرئيس في توجيه الوضع بما يخدم الوحدة الوطنية . أما جبهة البوليساريو ومنذ توقيعها على اتفاق وقف النار ، وهي تنتظر گودو الذي لن يعود ابدا . فبعد ان طلقت العمل المسلح ، وبعد مرور سبع وعشرين سنة من وقف اطلاق النار ، دخلت مرحلة وسن اليأس ، لم يبق لها من جديد غير القيام بحركات بهلوانية هنا وهناك بمصفحات مزنجرة من إمداد الجزائر ، كما دخلت حرب الصورة لخلط الواقع وتقديمه بغير حقيقته، قصد تضبيب المشهد ، واخفاء الحقيقة المرة عن الصحراويين الذين يعيشون محتجزين بتندوف ، وحتى تستمر الجبهة في استجداء وتوسل المساعدات التي تقدمها الدول الاوروبية. ان ما يحصل اليوم بالكركرات ليس دخولا الى الحرب ، لان فاقد الشيء لا يعطيه ، بل هو نوع من الاستفزاز غير المسؤول لإثارة الرأي العام الدولي ، ولبث حقنة من الصبر من جديد في عروق الصحراويين الذين يتلاعب بهم في المحافل الدولية .
بل ان الجبهة التي أصبحت مكبلة بمقتضى اتفاق وقف اطلاق النار الموقع تحت اشراف الأمم المتحدة ، تريد جر المغرب للقيام بعمل غير مضبوط ، حتى تجد سببا للتحلل من عقدة 1991 ، وحتى تثير انتباه الأمم المتحدة ، ومجلس الامن ، والاتحاد الأوروبي والاتحاد الافريقي بما يحصل بالمنطقة ، وتُحمل المغرب أوزار ونتائج ما قد سيحدث ، ان كان المغرب هو من بدأ بإطلاق النار . لذا هنا يجب ضبط النفس ، ويجب عدم الانسياق وراء الاستفزازات التي قد تسرع وتعجل بالحل الاممي المبني على الاستفتاء . وهذا ما ترغب فيه الجزائر ، وتنشده جبهة البوليساريو . ان قضية تصفية مشكل الكركارات وتيفاريتي، قضية وقت ، فيجب ترتيبه ضمن السياق الذي تمر به القضية الوطنية دوليا ومحليا. لذا يجب عدم الانزلاق لمخططات ومقالب الخصم الذي يبحث على التعجيل بالتدخل الاممي . ففرق بين التحرش والاستفزاز ، وفرق بين الحرب ، لان هذه لن تقع إلا بموافقة الجزائر ، وهنا سيكون لكل مقام مقال . أما عن الجزائر عراب الجبهة والتي تتحكم فيها ، فهي لا ولن تستطيع اصدار الامر بمهاجمة المغرب ، لأن دولة من دون رئيس مريض وعاجز عن تصريف أمور الدولة تكون غير قادرة على خوض الحرب ، فهل يستطيع جيش من دون قيادة (غياب الرئيس) الدخول في حرب ؟ إن الحرب تبقى مستبعدة لعدة أسباب : مراهنة جبهة البوليساريو على استنفاذ المعارك السياسية والقضائية ، أي مراكمة رصيد دولي للتضامن معها بدعوى ان الرأي العام الدولي سينحاز لها ، وسيكون في جانبها ، ومن ثم تحميل مسؤولية الفشل للمغرب ، وليس للجزائر الطرف الرئيس في الصراع . مراهنة جبهة البوليساريو ومعها الجزائر ، على الدفع بانتفاضة سكانية للصحراويين بالمناطق الصحراوية المسترجعة في سنة 1974/ 1975 ، شبيهة بانتفاضة الفلسطينيين ضد إسرائيل . وهنا تراهن الجبهة ومعها الجزائر على إمكانية سقوط قتلى سيطلقون عليه (شهداء) مثل مجرمي إكديم إزيك . وبالتزامن مع هذه الانتفاضة التي يعولون عليها كثيرا ، ومع سقوط المزيد من (الشهداء) ، سيشرعن هذا الوضع الجديد لخلق (مقاومة) مسلحة باسم الكفاح المسلح ، كبديل عن احتمال الرجوع الى (الكفاح المسلح) الذي استغرق ست عشرة سنة . اي تبرئة الجبهة من خرق وقف اطلاق النار الموقع في سنة 1991 . مراهنة الجزائر والجبهة ، للوصول الى احداث شرخ في صفوف الشعب المغربي ، عن طريق الدفع بجزء من مجندي (المجتمع المدني والسياسي) الى الدعوة للاستفثاء وتقرير المصير بالصحراء ، بل والدفع ببعضهم للاعتراف بالجمهورية الصحراوية .
وهذا نلاحظه في تبني العديد من الجماعات والهيآت بالمهجر لحل الجزائر في نزاع الصحراء . ان النجاح الجبهة في كسب الصراع القضائي ، ومراهنتها على الدفع بانتفاضة بالاقاليم الجنوبية ، مع البدء بالعمل المسلح في المدن الصحراوية ، سيخلصها من اتفاق وقف اطلاق النار الذي وقعته سنة 1991 ، وستعد نفسها مع الجزائر بعيدة وغير مسؤولة عمّا قد يتطور ان نشبت مقاومة مدينية من داخل المدن ، وليس بالاراضي الخارجة عن الجدار .
كما ان النجاح في تنفيذ المخطط ، سيمكن الجبهة ومعها الجزائر عرابها ، من المساندة الدولية للانتفاضة ولعمل المقاومة المديني الذي سينسبونه الى الصحراويين وليس الى الجبهة أو الجزائر . عموما الحرب لن تقع اليوم كما كانت في السبعينيات وحتى 1991 ، لأنها ليست في صالح أحد وليست هي الطريق الوحيد لتثبيت الخيارات ، لكن قد تعوضها مقاومة مدينية من قبل الانفصاليين في الداخل ، فضلا عن الشروع في التحضير لانتفاضة شعبية تثير الرأي العام ، وتثير الامم المتحدة ، كما تثير اهتمامات الاتحادات الاوروبي والافريقي . فمزيد من ضبط النفس لحرمان الانفصاليين والجزائر من تحقيق مكاسب قد تضر بالقضية الوطنية.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.