الانتخابات البرلمانية ما بين الرتابة ومحاولات التجديد

مع بدءِ العد التنازلي للانتخاباتِ البرلمانية في العراق المزمع إجراؤها فِي الثاني عشر من شهر مايس 2018م، تتطلع حشود الناخبين – المحبطة مِن التجاربِ الانتخابية السابقة – إلى استجابةِ ما ستفرزه هذه الممارسة الديمقراطية مِنْ نتائجٍ لرغباتِها فِي إحداثِ التغيير المرتجى، وَالَّذِي مِنْ شأنِه التأسيس لإقامةِ دولة المواطنة الرافضة لمبدأ المحاصصة، وَالَّتِي تقوم عَلَى العدلِ والمساواة ومحاربة الفساد. وَعَلَى الرغمِ مِنْ ظهورِ أسماءٍ لمرشحين جدد مِن المستقلين، إلا أنَّ الكتلَ الانتخابية المتنفذة ما تزال مهيمنة عَلَى المشهدِ السياسي بعد أنْ عمدت تلك القوى إلى إعادةِ ترتيب أوراقها بأسلوبِ تشظي تلك الكتل، ودخول الكثير مِنْ عناصرِها فِي كياناتٍ تحمل أسماءً جديدة يغلب عَليها الطابع المدني، وهو الأمر الَّذِي يشير إلى صعوبةِ حصول المرشحين الجدد مِن « المستقلين « عَلَى فرصِ منافسةٍ حقيقية مع مرشحي الكيانات الكبيرة بفعلِ سريان آلية « سانت ليغو « فِي قانونِ المفوضية العليا المستقلة للانتخابات؛ إذ أنَّ التعديلَ الَّذِي جرى مؤخراً عَلَى صيغتها تحت قبة البرلمان، ما يزال مثار جدل واسع فِي الشارعِ المحلي. لَعَلَّ مِن المهمِ التذكير هنا بأهميةِ دور تلك المفوضية فِي ظلِ الظروف الَّتِي عاشتها البلاد، فضلاً عَنْ المخاطرِ الَّتِي ما تزال محدقة بعمومِ العملية السياسية؛ بالنظرِ لما ملقى عَلَى عاتقِها مِنْ مهامٍ جسام تتمثل فِي الإعدادِ والتأهيل للانتخاباتِ مِنْ جميعِ نواحيها، وَلاسيَّما تثقيف الناخب العراقي والفعاليات الخاصة بيومِ التصويت قبل إعلان نتائج الانتخابات والمصادقة عليها. وما ينبغي الإشارة إليه أيضاً هو أنَّ اختيارَ أعضاء المفوضية الَّذِي جاء انعكاساً لرغبةِ الشارع المحلي فِي ضرورةِ تغيير طاقمها بما يضمن استقلاليتها كان فرصة تاريخية لتطوير الأداء فِي آليات العملية السياسية مِنْ خلالِ تقويم عمل المفوضية وجعلها مستقلة تماماً، إلا أنَّ تدخل الاحزاب السياسية فِي عمليةِ ترشيح شخصياتٍ لشغلِ المناصب العليا فِي مجلسِ المفوضين وبقية التشكيلات، أثار وبشهادةِ بعض أعضاء مجلس النواب حفيظة الجمهور وخشيتهم مِنْ تكريسِ التقسيم الطائفي والقومي.
تأسيساً لما تقدم، فإنَّ حظوظَ المستقلين فِي التأهل للظفرِ بمقاعدٍ فِي البرلمانِ القادم ضعيفة جداً بسببِ إخفاق مضامين قانون الانتخابات فِي المساهمةِ بصعودِ مرشحي القوائم المستقلة الَّتِي يشار إليها عادةً باسْمِ القوائم الصغيرة، فضلاً عَنْ أنَّ مشاركةَ المستقلين فِي الانتخابات مِنْ خلالِ دخولها فِي القوائمٍ الخاصة بالكتلِ الكبيرة، لا يعني قدرتها عَلَى التغييرِ فِي أنماطِ الحياة السياسية بالبلاد؛ لأنَّها محكومة برغباتِ ورؤى قادة الكتل السياسية الكبيرة، وَلَعَلَّ خير مصداق عَلَى ما تقدم هو اضطرار رئاسة البرلمان فِي الدوراتِ السابقة أكثرِ مِنْ مرة إلى لقاءِ رؤساء الكتل فِي القاعةِ الدستورية مِنْ أجلِ اذابة جبل الجليد ما بين الكتل النيابية المؤتلفة فِي العمليةِ السياسية والسعي لحلِ الخلافات والمشاكل العالقة حول إقرار الكثير مِن القوانين مِنْ خلالِ الحصول عّلّى توافق رؤساء الكتل. يضاف إلى ذلك أنَّ بعضَ النواب فِي الدورة البرلمانية الَّتِي انتهت مدتها كانوا يفضلون الجلوس فِي كافتيريا البرلمان عَلَى المشاركةِ فِي مناقشةِ القوانين وصياغتها بما يحقق طموحات الشرائح الاجتماعية؛ نتيجة عدم موافقة رؤساء الكتل الَّتِي ينتمون لها.
فِي أمَانِ الله..

لطيف عبد سالم

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.