مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي

لطيف عبد سالم

28

ثَمَّةَ عبارة لا يحضرني الآن اسم مَنْ قالها أو عنوان الكتاب الَّذِي قرأتها فِيه، فالأسماء كما قيل: «تطوفُ بالذهنِ حين لا نريدها، وَتستعصي إذا طلبناها»، إلآ أني أحفظها عَنْ ظهرِ قلب منذ أيام دراستي فِي سبعينياتِ القرن الماضي في إعداديةِ الجمهورية فِي مدينةِ بغداد، وَالَّتِي مفادها: «ألّا أسوأ مِن الفقر، إلا فقدان الرغبة فِي الحياة»، فالفقر بحسبِ الأدبيات الاجتماعية هو الحالة أو الوضع الَّذِي يحتاج فيه الفرد أو المجتمع إلى المواردِ الماليّة، فضلاً عَن الأسسِ الضروريّة للتمتُّعِ بأدنى مستوىً مِن الحياةِ وَالرفاهيّة. وَبالاستنادِ إلى تقريرِ التنمية فِي العالم الصادر فِي عامِ 1990م عَنْ «البنك الدولي للإنشاءِ والتعمير»، يُعرف الفقر بوصفِه «عدم القدرة عَلَى تحقيقِ الحد الأدنى مِنْ مستوى المعيشة». وَقد وجدَ بأنَّ الأطفالَ الَّذين ينشؤون فِي بيئةٍ فقيرة يعانون منْ مشكلاتٍ صِحيّة بشكلٍ مستمر وَمتكرّر بخلافِ الأطفالِ الَّذين ينشؤون في ظلِّ ظروفٍ ماليّة أفضل، فالمثيرُ للاهتمامِ أَنَّ الأطفالَ فِي كثيرٍ مِن الأسرِ الفقيرة يفتحون عيونهم عَلَى الدنيا بوزنٍ منخفض عند الولادة، إلى جانبِ كونهم أكثر عرضةً للموتِ قبل إتمامهم عامهم الأول، ما يعني احتمال تعرضهم لكثيرٍ مَن المشكلاتِ الجسديّة وَالإعاقات العقليّة، وَالَّتِي لا يمكن الوقاية مِنْ حدوثِها إلا بتوفيرِ الرعاية الصِحية الأولية.
مـاذا أخـسـرُ
حـيـن يـقـتـحـمُ الـخـرابْ
كـهـفَ الـكـهـولـةِ
حـيـث جـثـمـانُ الـشـبـابْ؟
لا شـيءَ يـخـسـرُ شـوكُ أيـامـي
إذا انـحـسَـرَ الـسّـرابْ!
الـمـاءُ مـن حـجـرٍ..
وأرغـفـةُ الـمـديـنـةِ مـن ضـبـابْ
نـاطـورُنـا لـصٌّ..
وأمّـا حـارسـو مـرعـى الـمديـنـةِ فـالذئـابْ
ليس خافياً أنَّ الفقرَ بفعلِ مَا يحمل فِي ثناياه مِنْ أبشعِ صور القبح فِي المعاناةِ الإنسانيَّة، لا يعرف معناه إلا مَنْ تكابد معايشة أيامه أو مَنْ شعرَ بِمعاناةِ غيره ممَنْ تجرّعَ مرارة العوز، وَثقل مراثي الأيام، بالإضافةِ إلى مَنْ بوسعِه الشعور ـ عَلَى نحوٍ صارخ ـ بِما يتلمس مِنْ الفقرِ المس بالكرامةِ الإنسانيَّة للأفراد؛ إذ لا أظن أَنَّ هناك أسوأ، ولا ألعن مِنْ مصاحبةِ الألم النفسي والروحي لإنْسَانٍ يعشق الحياة وَأنسها وَلطفها وَيحاول النهل مِنْ عذوبتها؛ نتيجة معاناته الدائمة مِن العوزِ وَالفاقة وَالحرمان، وَالَّذِي قد يجعله لا يفكر بأي شيء فِي الحياةِ سوى الوقوع فِي شباكِ الموت البَشَريَّة رويداً رويداً ببطء. وَمَا أظنني مبالغاً إنْ قلت أَنَّ ذلك الأمسَ الحافل بالزفراتِ فوق سنين هموم الكثير مِنْ أهلنا ليس بعيداً بمعطياتِه عَنْ مَا يجري فِي أيامِنا، وَكما يقول الروائي وَالفيلسوف الروسي «فيودور دوستويفسكي» فِي روايته الجريمة وَالعقاب: «مَا يَزال يخيّل إليّ أنَّ فيك شيئاً قريباً مني كل القرب»؛ إذ أَنَّ رمادَ وقائع الأمس، وَمَا حمله مِنْ حسراتٍ فِي جبين مَنْ عاشه ليس بعيداً عَنْ حاضرنا، بل يَبْدُو أنَّه ملتصقٌ به، فمَا يَزال يتناثر فوق أيامنا. فلَا نبعد عَنْ الواقعِ أو نبالغ إذا قُلْنَا أنَّ الفقرَ بمعناه الواسع تفشى فِي العراق مَا بَيْنَ المواطنين فِي الأعوامِ القليلة الماضية بفعلِ سوء تخطيط الإدارات المتأتي مِنْ ركون القيادات الإدارية إلى اعتمادِ نهج «المحاصصة» الَّتِي هيمنت عَلَى البلاد، وأصبحت وَبالاً عَلَى الْعِبَاد، حتى أصاب الفقر، وَمَا تباين مِنْ تداعياتِه الكثير مِنْ أهلِ أغنى بلدان العالم بالثروات، وَأكثرها كرماً للغرباء.
حلمتُ يوماً أنني جناحْ
وحينما استَيْقَظْتُ
كانت السماءُ صهوةً
وَسَرْجُها الرياحْ
وكان ما بيني وبين الوطنِ المُباحْ
مشنقةٌ
تمتدُّ من سِتارةِ الليلِ
الى نافذةِ الصباحْ
ـ ـ
حلمت يوماً أنني صرتُ «أبا نؤاسْ»
وحينما هاجر من أحداقيَ النُعاسْ
رأيتُ جفني زِقَّ أحزانٍ
وجرحي كاسْ
وكان ما بيني وبين الوطنِ الجريحِ
قَيْحٌ
ودمٌ يسيل من مئذنةِ الصباحْ
وروضةٌ مذبوحةُ الأغراسْ
المتوجبُ إدراكه أيضاً أَنَّ الفقرَ بالاستنادِ إلى المفاهيمِ الحديثة المبينة فِي أدبياتِ التنمية المستدامة ينظر إليه بوصفِه «أكثر مِنْ مجردِ الافتقار إلى الدخلِ وَالموارد ضماناً لمصدرِ رزقٍ مستدام»؛ إذ أَنَّ الفقرَ يشير عَلَى وفقِ هذا المعنى إلى الحرمانِ المادي الَّذِي يترتب عليه التدني فِي المستويات كافة، وَلاسيَّما المستوى التعليمي وَالمستوى الصحي وَالسكني، فضلاً عَمَا قد يفضي إلى انعدامِ ثقة الفقير بالْمُجْتَمَعِ وَفقدان احترامه لمبادئ التعايش، وَلَعَلَّ مِنْ أبرزِ مظاهر الفقرَ وَأهمها: الجوع وَسوء التغذية، ضآلة إمكانية الحصول عَلَى الخدماتِ الأساسية كالتعليمِ وَالصِحة، التمييز الاجتماعي، الاستبعاد مِن الْمُجْتَمَع، فضلاً عَنْ عدمِ المشاركة فِي اتخاذِ القرارات؛ لذا يتعين أنْ يكون النُمُوّ الاقتصادي مخططاً لَه عَلَى وفقِ سبلٍ ضامنة للخروجِ بالفردِ مِنْ مستوى خط الفقر. وَتحضرني الآن مقولة لرئيسِ البرازيل الخامس والثلاثين «لويس سلفا»، لا أعرف كيف قفزت إلى خاطري، وَالَّتِي يقول فِيها: «إنَّ الفقرَ يُعَدّ أسوأ أسلحة الدّمار الشّامل على الإطلاق». ويبدو أَنَّ الرجلَ كان مصيباً فِيما اعتقد، ولعلَّ خير شاهد عَلَى ذلك أَنَّ الفقرَ كان عَلَى مرِ العصور مِنْ أبرزِ الأسباب الرئيسة الَّتِي أدّت إلى قيامِ الكثير مِن الثوراتِ الاجْتِماعِيَّة وَالسياسية «الكبرى» الَّتِي شهدها التاريخ الإنساني؛ لأَنَّ الفقر يُعَدّ آفة جسيمة الأثر، بوصفِها ولادة للخوفِ وَالاحباط، وَمَا يترتب عَلَى ذلك مِنْ بؤسٍ وَاضطهاد وَضيم.
مـوائـدنـا تـخـلـو من الـدسَـم..
قِـدورنـا بـيـضـاء..
وأعـذاق نـخـيـلـنـا
لم تـَعُـد تـســيـلُ عَـسـَـلا..
فـمـا الـذي أغـوى
كـل هـذا الـذبـاب البشـري
لـدخـول الـعـراق؟
ـ ـ
رأتِ المـآذِنَ مُـمَـدَّدَةً عـلى الـقِـبـاب..
والـنـخـيـلَ حـلـيـقَ الـرؤوس..
ولا ثـمـة غـيـرُ دخـان الـحـرائـق..
لـذا:
اكـتـَفـَتِ الـلـقـالـقُ والـطـيـورُ المُـهـاجـرة
بـتـأشـيـرة «ترانـزيـت»
مـا دامـتْ لـن تـجـِدَ فـي الـعـراق
مـكاناً مـرتـفِـعـاً
لأعـشـاشـهـا!
ـ ـ
يبدو أنَّ العراقيَ رسمت لَه الأقدار ملحمة صراع متفردة مِنْ أجلِ البقاء عَلَى قيدِ الحياة، فهذا المبتلى بشقاءِ الليالي: لا أمانٍ لَه مثل سائر الأقوام، فهو كمَنْ يخالجه شعور المستجير مِنْ الرمضاءِ بالنار، لَمْ يكن أمامه خيار ـ وَحالة الاستياء ترسمت عَلَى وجهه بفعلِ سياسة افقار الفقير وإغناء الغني الَّتِي اتبعتها الحكومات العراقية المتعاقبة ـ سوى تذوق ألم التلصص عَلَى حياةِ الثراء الَّتِي يعيشها اللصوص وَالمفسدون وَالعابثون، وَلاسيَّما «القطط السمان» الَّتِي تأبى دخول جحورها مِنْ دُونِ رادع، حيث أورث الفقر أهل العراق غماً كبيرا؛ بالنظرِ لعدمِ شعور المتسلقين إلى السلطةِ بحاجاتِ الفقراء عَلَى الرغمِ مِنْ أَنَّ بعضهم كانوا جزءاً مِنْ شريحةِ الفقراء يشاركونهم همهم المتأتي مِن ارتفاع نسبة البطالة بفعلِ قلةِ فرص العمل وَجهل الكثير مِنْ الناس بأسرارِ المهن أو الحرف التي يمكن أنْ يعتاشوا منها، بَيْدَ أنَّهم تعمدوا نسيان مَا يعانيه أبناء جلدتهم مِنْ هموم، وانغمسوا فِي محاولةِ البحث عَنْ الثراءِ وَالنفوذ، وَكأنهم بمثابةِ ثعبانٍ لا هم لَه سوى الانسلاخ مِنْ جلدِه؛ لأجلِ الاكتساءِ بجلدٍ جديد يضفي عَلَيه حيوية.
كـيـف أشـعـرُ بـجـمـالِ الـمـنـظر
إذا كنت
مـعـصـوبَ الـعـيـنـيـن؟
الـطـيـبـة أمـي
رحَـلـتْ قـبـل أنْ تـلِـدَنـي
وأبـي شُـقَّ لـه قـبـرٌ
قـبـل أنْ يـشـقَّ الـمـنـفـى لـسـفـيـنـتـي
نـهـراً تـجـاه الـوطـن
والـقـحـطُ نَـبَـتَ فـي الـحـقـلِ
قـبـلَ أنْ يـنـبـتَ ريـشُ
جـنـاحـي

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.