فلسفة الغيبة

لقد منّ الله تبارك وتعالى على البشريّة بنور محمّد وآله الأطهار عليهم السلام، حيث قدِم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى شبه الجزيرة العربية بالرسالة الخاتمة وعمِل في مكّة والمدينة مدّة ثلاث وعشرين سنة، وكانت الناس تختلف إليه، فمن أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كان يستطيع الذهاب إلى مسجده أو منزله، ويتواصل معه بشكل مباشر، ثمّ استخلف من بعده وصيّه أمير المؤمنين عليه السلام، ثمّ الأئمّة الأطهار عليهم السلام، وكان التواصل معهم أمراً ميسوراً وسهلاً، إلى بداية العصر العباسي، حيث بات بعض الخلفاء يفرضون إقامة جبريّة على الإمام إلى أن وصل الأمر إلى الإمام العسكري عليه السلام، فكان التواصل يتمّ بشكلٍ سريّ جدّاً، وكانت الغيبة الصغرى لصاحب العصر بعد شهادة أبيه العسكري عليه السلام، حيث كان التواصل يتمّ عبر سفير من السفراء الأربعة، وبوفاة السفير الرابع كانت الغيبة الكبرى لصاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف.

لقد كتب الله عزَّ و جلَّ لصاحب العصر والزمان  عجل الله تعالى فرجه الشريف أن يغيب عن الناس، حتى يأذن الله تعالى له بالظهور، فيملأ الأرض قسطاً وعدلا، بعدما ملئت ظلماً وجوراً ويحقِّق الوعد الإلهي، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ .

وبما أنّ الحكمة الإلهية قد اقتضت هذا الغياب للإمام المعصوم عليه السلام، فهل يعني ذلك تعطّل أحكام الشريعة الإسلامية، والتزام المؤمنين بيوتهم، والتخلّي عن واجباتهم تجاه الإسلام والمجتمع الإسلامي، وعدم القيام بأي أمر سوى الأعمال الفرديّة الخاصّة كالصلاة والصوم؟ هل هذا هو المراد والمطلوب من الأمّة الإسلاميّة في مرحلة انتظارهم للظهور المبارك؟ أم  الله أراد أمراً آخر من هذا الغياب؟ إنّ سبب غياب الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف هو عدم وجود الناصر، أو قلّة أنصار الحقّ في قِبال أنصار الباطل والطاغوت، وبأدنى تأمّل لسيرة الأئمّة الأطهار عليهم السلام ولرواياتهم وأحاديثهم يتبيّن لنا هذا السبب.

إنّ انتظار الفرج ليس مجرّد شعار أجوف، وإنّما هو صبر وعمل واستعداد واستقامة، وتمهيد الأرض لقدومه الشريف، وإعداد النفس لنصرته، وتأهيلها لنيل شرف الشهادة، وعليه فإنّ المنتظرين له يشعرون بالحاجة إليه، ويدركون أهدافه، ويتوقّعون ظهوره في كلّ لحظة، وأنّه سيطلب منهم العون والنصرة للوصول إلى أهدافه المقدّسة.

وقد جاء في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: «أفضل أعمال أمتي انتظار فرج الله عزّ و جلّ» . وفي حديث عن الإمام زين العابدين عليه السلام قال: «تمتدّ الغيبة بوليّ الله الثاني عشر من أوصياء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة بعده. يا أبا خالد، إنّ أهل زمان غيبته، القائلون بإمامته، المنتظرون لظهوره، أفضل كلّ زمان، لأنّ الله – تعالى ذكره – أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة، ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالسيف، أولئك المخِلصون حقّاً، وشيعتنا صدقاً، والدعاة إلى دين الله سرّاً وجهراً» .

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.