اسس الحكومة في المجتمع

إنّ مسألة الحكومة من الأمور التي يُسلّم بها العقل السليم، ويطلبها الإنسان لكونه مدنيّاً بطبعه، ولكن وقع الخلاف والاختلاف حول هذا الحقّ، حقّ الحاكميّة في المجتمع، لمن يكون هذا الحقّ؟ ومن أين ينشأ؟ لأنّنا مع ملاحظة كون جميع أفراد البشر ـ بالنسبة لهذا الأمر ـ هم على حدّ سواء، ولا ولاية لأحد على أحد آخر، نتساءل من أين ينشأ حقّ الحاكميّة لبعض الناس بنحوٍ ما؟ وجوه الحاكميّة.. يرى بعض الناس أنّ هذا الحقّ هو لمن تسلّط على الناس. ويرون حقّ الحاكميّة من خلال الظلم والزور، وإذا أمكن لشخص أو لمجموعة أشخاص، ولو من خلال الأسباب والأساليب الباطلة من السيطرة على مقدّرات المجتمع فلهم الحاكميّة، ولهم حقّ التقنين، والأمر والنهي، والثواب والعقاب، وهذا الرأي هو ما تتبنّاه الحكومات الديكتاتوريّة الاستبداديّة. ويرى بعض آخر أنّ هذا الحقّ محصور بطبقة خاصّة وفئة معيّنة من الناس، وأنّ لهذه الطبقة حقّ التقنين وحقّ الحاكميّة. ويتبنّى هذه النظرة بعض فلاسفة اليونان ويرى بعض المفكّرين الغربيين مثل (روسو) وغيره أنّ هذا الحقّ ليس من حقّ شخص خاصّ بعينه، أما حقّ الحاكميّة في الرؤية الإسلاميّة ينحصر حقّ الحاكميّة بالله عزّ و جلّ, لأنّ الإنسان يجب عليه إطاعة من خلقه وأعطاه الوجود، وحيث إنّ الإنسان لا يأخذ وجوده من أبناء جنسه ولا يتوقّف بقاؤه عليهم، فلا إلزام من أحد على أحد. والله عزّ و جلّ المالك الحقيقي للإنسان هو الولي الواقعي، وعليه فاتّباع أوامر غير الله عزّ و جلّ مشروط بالتنصيب والتعيين منه تعالى، وهو القائل: قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . أنّ حقَّ الحاكميَّة إنّما هو لله عزَّ و جلَّ, لأنّ وجود الإنسان من الله عزَّ و جلَّ ﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ ، والإنسان لا بدَّ له من إطاعته والتسليم له، والطاعة لغيره عزَّ و جلَّ مشروطة بكونه منصَّباً من الله عزَّ و جلَّ. اما لأنبياء هم رسل الله الذين قرن الله عزَّ و جلَّ دعوتهم بالمعجزة، وأمر بطاعتهم وجعل طاعتهم من طاعته, وإنّما أرسلهم تعالى لبيان أحكامه وإجرائها على الأرض، لكي لا يكون في الأرض معبود سواه. والظاهر من الكتاب والسنّة أنّ الله تبارك وتعالى قد فوّض بهذا الشأن مرتبةً من الولاية إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وإلى بعض الرسل السابقين عليهم السلام لكي يتحقّق الهدف الإلهي, وهو العبودية لله تعالى وحده، ولهذا وجبت طاعتهم. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ﴾ . والحكومة (الولاية) بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي للأئمّة المعصومين عليهم السلام ، وأنّ هذا المنصب قد جعله الله عزَّ و جلَّ لهم، وأنّ إطاعتهم واجبة بأمر من الله و رسوله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ . وهكذا استمرّت الولاية في الأئمّة عليهم السلام حتّى كانت الغيبة الكبرى للإمام صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، فانتقلت الولاية إلى الفقيه، الذي شكَّلت ولايته امتداداً لولاية المعصوم, ليقوم بسدّ الفراغ السياسي والاجتماعي والقضائي والواقع…
وهكذا تكون ولاية الفقيه ، هي نيابة الفقيه عن الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف في قيادة الأمّة، وإقامة حكم الله تعالى في الأرض، وهذه النيابة مستمدّة منه عجل الله تعالى فرجه الشريف، وهي جذوة من نوره، وشهاب من قبسه، وفرع من فروع دوحته، لذلك عُرِّفت «ولاية الفقيه» بأنّها «حاكميّة المجتهد الجامع للشرائط في عصر الغيبة» وذلك من خلال الصلاحيات الواسعة الممنوحة له من قبل الإمام المعصوم عليه السلام على مستوى البلاد والعباد. ورد في العديد من الأحاديث عن أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام روايات تتحدّث عن ولاية الأمر في عصر الغيبة، وقد تعرّض لها الفقهاء متناً وسنداً، فمنهم من قبلها وتمسّك بها لإثبات الولاية للفقيه الجامع للشرائط، ومنهم من توقّف عندها. والأدلّة منها ما يتحدّث عن دور الفقهاء ومقامهم، و mوظيفتهم تجاه الأمّة الإسلامية في عصر الغيبة الكبرى، ومنها ما هو واضح وصريح في عملية التعيين والتنصيب للفقيه الجامع للشرائط أن الحكومة الإسلامية لا يمكن أن تستقيم وأن تبلغ أهدافها المرجوّة من حفظ الإسلام والمسلمين إلا بوجود قيّم ومدير على رأس هذه الحكومة، من أجل ضمان تطبيق التشريعات والأحكام الإلهية كما أمر الله تعالى، وهذا القيّم ليس سوى الفقيه العادل، العالم بأحكام هذه الدين، الجامع للشرائط, لأنه الأعرف والأعلم بأحكام الدين والأقدر على تحقيق الأهداف المنشودة للدين وطُرق تحقيقها والوصول إليها، وهو الأقدر أيضاً على نشر العدل، ومنع الظلم والفساد. أما تنصيب غير هذا الفقيه ليكون على رأس الحكومة الإسلامية فهو يعني بطبيعة الحال ضياع للأهداف الإسلامية المنشودة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.