السيف والفتوى دراسة توثيقية لجرائم الإبادة الجماعية في العراق من العصر الأموي حتى الاحتلال العثماني

د. حيدر فرحان الصبيحاوي

الحلقة 34

تنشر (المراقب العراقي) كتـــاب (السيف والفتــوى) لـ د. حيدر فرحان الصبيحاوي، الصادر عن مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية. ويوثق الكتاب ويؤرخ لجرائم الابادة الجماعية التي تعرض لها العراق من العصر الاموي وحتى العصر العثماني.لعلّ الإبادة الجماعية الكبرى هي عند سقوط بغداد على يد المغول سنة (656 هـ/ 1258 م)، فعند دخول المغول لبغداد دون مقاومة تذكر، ابتدأوا بمجزرة عظيمة حيث أباح هولاكو لجنده ما بقي من المدينة في السابع من صفر لنفس العام بعد حصار لبغداد سدوا من خلاله جميع منافذ الهرب من المدينة سواء بالبر أم عن طريق النهر بعد انهيار معنويات المستعصم بالله الذي كان مشغولاً بالطرب وشرب الخمر واستسلامه مع أبنائه وبعض كبار حاشيته في الرابع من صفر إلى حيث نهايته، فوضع هولاكو السيف على رقاب الناس وأحرقوا الأخضر واليابس، وظل هو وجنوده يمارسون القتل العام في المدينة، ولم يستطع هولاكو نفسه البقاء في بغداد مدة طويلة لعفونة الهواء، ويقال بأن عدد القتلى وصل إلى ثمانيمئة الف نفس.يقول القزاز لم يستطع المؤرخون من إحصاء مقدار ما فقدته بغداد من سكانها، إذ لم يبقَ منهم احد إلا ما رحم ربي، فلم يكن هناك ما يمنع المغول من ذبح من يرونه أمامهم من أهلها، وحتى الذين استسلموا فقد سيقوا إلى الذبح كالأغنام بينما يذكر عباس العزاوي أن عدد القتلى ببغداد زاد عن ثمانيمئة ألف قتيل، عدا من ألقي من الأطفال في الوحول ومن هلك في القنى والآبار والسراديب فمات جوعاً وخوفاً ولم يميز المغول بين سني وشيعي بل أنهم استباحوا المدينة وأعملوا السيف في رقاب أهلها صغاراً وكباراً.
وينقل لنا المؤرخ الحنبلي في شذرات الذهب عن أحداث سنة (795 هـ/ 1393 م) ما قام به تيمورلنك بالعراق حيث عاث فساداً في بغداد وما حولها وأوسع القتل والنهب والتعذيب والسبي والأسر وفر من نجا من أهل بغداد.
شهدت مدن العراق وخاصة المدن المقدسة كالنجف الأشرف وكربلاء المقدسة أعمال إبادة جماعية ونهب على يد دولة المشعشعين ففي عام (844 هـ/ 1440 م) هاجم محمد بن فلاح مدينة النجف الأشرف واستولى عليها بعد أن هاجم البصرة وواسط وكربلاء المقدسة والحلة، كما حاصر بغداد وقد استباح مدينة النجف الأشرف. وفي عام (857 هـ/ 1452 م) قام ابنه علي بن محمد المشعشعي بإحاطة المشهد العلوي الشريف وأباد الناس هناك ولم ينجُ منهم إلا القليلول من الناس الذين هربوا الى داخل المشهد الشريف. وأشارت المصادر التاريخية أن المشعشعي قتل الكثير من أهالي النجف الأشرف وكربلاء المقدسة، كما أباح الحلة مدة ثمانية عشر يوماً قام خلالها بقتل أبنائها وتدمير المدينة وأحراقها. وإزاء هذه الأعمال الفظيعة أطلق المؤرخ السخاوي على المشعشعي لفظ (علي الخارجي).
يدعي بعض المؤرخين المحدثين الذين يعتمدون أو يتعمدون النظر بعين واحدة بالقول أنه بالرغم من دخول القوات الصفوية إلى بغداد دون قتال في(20 جمادى الثانية 914 هـ/ 1508 م) إلا أن القائد حسين لاله الذي نصبه الشاه إسماعيل بن حيدر الصفوي قائداً لفرسان القزلباش وأطلق عليه لقب خليفة الخلفاء أمر بمذبحة راح ضحيتها عدد كبير من السكان دون مبرر، وقد أشار المؤرخ ابن شدقم إلى ذلك بقوله: (فتح الشاه بغداد وفعل بأهلها ما لم يسمع بمثله قط في سائر الدهور بأشد أنواع العذاب)، وواقع الأمر ليس كما ذكروا وإنما القتال دار بين القوات العثمانية والصفوية وبعد معارك ضارية قتل فيها عدد كبير من الطرفين استطاع الصفويون من السيطرة على بغداد، فقام بعض المفسدين الذين يوالون الاحتلال العثماني من جانب طائفي رخيص بأعمال كان القصد منها إثارة النعرة الطائفية بعدّ الصفويين من الشيعة، وأن اتباع العثمانيين من السنة، إلا ان حنكة وسعة صدر رجال الشيعة تمكنوا من التصدي لهذه الأعمال التي افتعلها ضعاف النفوس، حيث قام نقيب العلويين السيد دراج النقيب وهو من كبار رجالات الشيعة في تلك المدة بدور كبير في تهدئة الأمور، ومن الأعمال الجليلة التي قام بها هذا السيد الجليل هي إدراج أسماء عدة آلاف من خدمة المراقد المقدسة لدى الطائفة السنية في سجلاته الخاصة وعدّ هؤلاء من التابعين له، وبذلك فوت الفرصة على بعض الجنود الصفويين الذين أرادوا قتل هؤلاء بسبب وشاية قسم من العملاء على أن هؤلاء يعملون ضد القوات الصفوية.في عصر الاحتلال العثماني، كانت المجازر والقتل والتنكيل والإرهاب من حصة الشيعة، مما كتبته ذاكرة التاريخ ما قام به السلطان العثماني سليم الثاني سنة (974 هـ/ 1566م) من أجرام وإبادة جماعية ضد شيعة الموصل التي كانت عاصمة دولة آل المسيب، فقد استكمل هذا السلطان الجائر ما قام به الأيوبيون إذ أصدر أوامره الى جيشه بإبادة قرى شيعية كاملة في الموصل وحرق مزارعهم، ثم واصل تنفيذ هذه الأعمال ضد أبناء الموصل الشيعة السلطان مراد الرابع سنة (1032 هـ/ 1622 م) حيث ابتدع هذا السلطان بدعة جديدة في قتل أبناء الشيعة وإرهابهم فكان يقوم برمي أبناء الشيعة بالآبار المنتشرة في الموصل وهم أحياء للقضاء على المذهب الشيعي في الموصل.
لم يكتفِ السلطان مراد الرابع بما فعله من إبادة جماعية للشيعة في الموصل، وإنما فتحت شهيته في القتل والإرهاب حتى قاد حملة عسكرية بنفسه واتجه نحو بغداد وحاصرها وهدم جزءاً كبيراً من أسوارها بالمدفعية ودخلها سنة (1048 هـ/ 1639 م) وقتل ما يقارب العشرين ألف من الشيعة.
كما قام العثمانيون على يد وزيرهم علي باشا الكتخدا في سنة (1217 هـ/ 1802 م) بإبادة الإيزيديين في جبل سنجار حينما زحف عليهم من أربيل إلى سنجار ونكل بهم.في ظل التآمر الوهابي ـ العثماني على إبادة الشعب العراقي وخاصة الشيعة منهم، ولاسيما أن الاتفاق المشؤوم بين ابن عبد الوهاب وابن سعود، وقولتهما المشهورة: (الدم الدم، والهدم الهدم) أخذت تنمو وتمتد شيئاً فشيئاً لتشمل الرياض والطائف، ثم تتجه صوب مكة المكرمة والمدينة المنورة، وتابعته بالانقضاض على المسلمين الآمنين في اليمن وحضرموت والكويت، ثم العراق وسوريا، وللاطلاع أكثر في هذا المضمار أقرأ كتاب (عنوان المجد في تاريخ نجد) بخط أهم المؤرخين الوهابيين الشيخ عثمان بن بشر النجدي الحنبلي، وكتاب (تاريخ نجد المسمى الأفكار والافهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام) للشيخ حسين غنام، والتي كان من نتاج هذا الاتفاق هو الاغارات المتكررة على العراق وقتل أبنائه دون أي ردة فعل من الأتراك العثمانيين.
ففي احدى غارات الوهابية عام (1214 هـ/ 1800 م) نهبوا قافلة كانت قادمة من الشام بالقرب من بلدة عنة، وقتلوا عدداً من العانيين، وأغاروا على عنة نفسها ونهبوا بعض بيوتها وقتلوا أربعين شخصاً من سكانها، وفي 18 ذي الحجة سنة (1216 هـ/ 1802 م) ارتكب الوهابيون مجزرة إبادة جماعية في كربلاء المقدسة عندما دخلوها بشكل مفاجئ ومعهم سلاحهم (السيوف) وأخذوا يذبحون من يلقونهم في طريقهم ولم يستثنوا منهم الشيوخ والنساء والأطفال وقدر من قتلوا بثمانية آلاف شخص، وكان والي كربلاء العثماني عمر آغا وهو سني متعصب متآمر بهذه الجريمة حيث لم يكن على وفاق مع أهالي المدينة، وقد جرى بينه وبين الوهابيين اتفاق لهذه المجزرة، إذ أن العثمانيين أقاموا تحالفاً بينهم وبين أمراء الدرعية من آل سعود في السعودية الذين يدينون بالوهابية ومن أتباع عقيدة محمد بن عبد الوهاب، وما يؤكد هذا التحالف أن العثمانيين كانوا يمنعون انتشار المذهب الشيعي وحاصروه في العراق ويذكر الرحالة أبو طالب خان بأن عدد الوهابيين الذين داهموا كربلاء خمسة وعشرون ألف من الفرسان وعند دخولهم المدينة بشكل مفاجئ مستغلين ذهاب معظم أهالي كربلاء الى مدينة النجف لإداء الزيارة بمناسبة عيد الغدير تعالت أصواتهم (أقتلوا المشركين) و(أقطعوا رقاب الملحدين) فذبحوا السكان ونهبوا ما في الدور وحاولوا قلع صفائح الذهب من مرقد الإمام الحسين (ع) السلام ألا أنهم فشلوا.كما قام الوهابية في عام (1221 هـ/ 1708 م) بمحاصرة مدينة البصرة وحواليها من الزبير وغيرها لأكثر من 15 يوماً، ثم اخذت تمتد نحو عنة وسوق الشيوخ والناصرية والديوانية والنجف الأشرف وكربلاء المقدسة وصولاً إلى الحلة وجنوب بغداد، وأخذت تتكرر حملاته وهجماته على حدود العراق، بل اخذ يدخل حيث يشاء دون رادع أو وازع، كما يقول المؤرخ البريطاني ستيفن لونكريك في كتابه (أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث)، إذ يقول: (ولم يأت الصلح الذي عقد معهم في بغداد عام 1214 هـ/ 1799 م بفائدة ما، لأن صلحاً كهذا يكتنفه التعصب العدائي من جهة، والتحدي لعرف البادية من جهة أخرى، لا يمكن ان يؤمل دوامه)، وفي الحملات الوهابية التي كانت تتركز على المدن ومواضع القبائل العربية المنتشرة حولها، كانوا يعمدون إلى القتل والأسر وحرق الخيام وتدمير البيوت، ثم يسرقون ويسلبون ويأسرون، ويعودون إلى مراكزهم بما حصلوا عليه في حملاتهم هذه، وقد أضروا بالعراق وشعبه واقتصاده، وزادوا من معاناة الشعب العراقي، فكان الشعب بين سندان الدولة العثمانية الطائفية من جهة، ومطرقة الوهابيين السلفيين السعوديين القتلة من جهة اخرى.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.