أطفال الحرب

عبد شاكر

(صور الجدران في البيوت الحزينة، جثثٌ هامدة)
خمسٌ من سنوات صعبة، مضت على وتيرة واحدة، في عالم يغلي بغرائبياته، وقتال يشتد في ساحات قتال وحروب مشتعلة. هم يطرقون الحديد بشدّة. هُنّ يعددنَ الطعام بشهية، مساءاً، أبوابٌ تُقرع،أحذيةٌ تُنزع، روائح أطعمة شهية، غسلُ مواعين، صلاة، والخارج يغلي، حرٌ ومطرٌ شديد، معارك ضارية، جدل وضجر، بيوتٌ ممتدةٌ تتشابهُ كثيرًا في تفاصيلها وأفعالها وانعكاساتها، سقوف معدنية وخشبية تقتلعها الرياح، حدائق مهجورة ومهملة تعبثُ بها الأمطار، ميازيب، غرف باردة، غرف خانقة، بشرٌ محشورون، غرفٌ ووجوه لها نفس الفراغ، ثرثرات ممجوجة، شكوى وتظلم يتكرر برتابة، دموع ونحيب، نكاتٌ سمجة، شاي وقهقهات، دخان أراكيل وسجائر. كل ليل يقترب من الانتصاف، تُوصد الأبواب والنوافذ بإحكام، تخلع النساء ما يرتدينَّ من شالات رؤوس وثياب عمل، يغتسلنَ ويتعطرنَ، ويراقبنَّ كيف أن الأصباغ السوداء والشقراء والبُنية والكُستنائية قد طغت على الشيب ومنحت شعر كل واحدة منهنّ لونًا جميلًا يُسعد الأحبّة والأزواج. الرجال يغتسلون،يصّلون، يحتسون، يُفكرون في غدهم المُشابه لكل غد، والعالم يغلي في الخارج، ومعارك الحروب شرسةٌ وضارية. صمتٌ وأرواحٌ تئن. نظراتٌ تُصوّب إلى أفرشة النوم. مواقدٌ وأغطية. عيونٌ تُطيلُ النظر إلى اللاشيء. أنوارٌ تُطفأ، أجسادٌ قوية أو متهالكة، جميلةٌ وعادية، تندسُ تحت الأغطية وتصهرُ بعضها بعضًا. أذرعٌ تتشابك، أنفاسٌ تذوب في أنفاس، لحظاتٌ معبودة تسقطُ عند تخومها كُلّ الأشياء، طرقُ الحديد، غسلُ المواعين، الأحذية والجوارب، سجاداتُ الصلاة وزجاجات الخمر، الحر والبرد، التراب والمطر، الضجر والجدل، الثرثراتُ الفارغة والشكوى والنحيب، النكات السمجة والشاي والقهوة، دخان الأراكيل وأعقاب السجائر . يحتقن الفراغ الذي يعلو ملامح الوجوه بحُمرة حب تشبه الاشتعال.
لا أحد يطيل النظر إلى النوافذ التي يقف خلفها، رسام ينجز لوحة، أرملة تعاني الوحدة والحرمان، عازف يُبكي كمانًا، كاتب ينتهي من كتابة قصيدة وهو يتبول وقوفًا!
كُلُّ شيءٍ يُلغى من أجل اللحظات المرتقبة المعبودة. الأنوار تُطفأ، الظلام يحتفي بانصهار الأرواح بالأرواح، والأجساد بالأجساد، والأنفاس بالأنفاس.
وسط سكينة الظُلمة، وتحت أغطية الحُب، ينصهر الرجال والنساء جيئةً وذهابًا.. جيئةً وذهابًا.. جيئةً وذهابًا.. من أجلِ أن يُولدُ أطفال الحرب.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.