إنعكاسات المفردة في رواية «حب وثني» للروائي السوري نافذ سمان

سامر المعاني/ الاردن

(الحب ليس في الآخر. انه موجود داخلنا ونحن من نوقظه من غفوته لكننا, ولكي نوقظه, نحتاج الى الاخر, ليس للكون من معنى حين لا يكون لدينا احد يشاطرنا انفعالاتنا) باولو كويلو.سؤال يبدأ محلقا في استهلالية الرواية حاملا عبق الاشتهاء للولوج بالنص لمعرفة ما قدمه الروائي من تعاريف وتحاليل، حتى وان كانت منبثقة من خصوصيته فهو اجمل واوسع المفاهيم جذبا و روعة وجمال حالاته تكمن كلما تعسر طريقه واخترق كل السبل لينجو من عثرات الايام. فقد اجتاز الروائي سطوة الحالة الشعورية على حساب اللغة وتسلسل الاحداث وتنسق العمل السردي مما يثير رغبة القارئ بالإحاطة بكل حرف من الرواية حتى اخر حرف وهو المشبع بجمال اللوحة المبهرة، التي رسم بيئتها والوانها بإتقان حيث الانثى والحب والوفاء له بصراع زمني يعبر مع كل نفس صوب اللقاء الذي موعد حضوره معتكفا ودموع الرجاء والتمني رهينة القدر.
الحالة الشعورية المشبعة باللغة الرصينة المكثفة في الوصف والحوار الداخلي والخارجي من خلال الجملة الاعتراضية والاستهلالية والجملة المباغتة التي تنقل الحالة السردية للنص بمنعطف جديد وحالة مغايرة بطريقة ابداعية مدهشة، ترتسم عبر لسان شخوص الرواية احيانا من خلال الاستفهام واحيانا اخرى الاستنكار والتعجب فرواية حب وثني للروائي نافذ سمان التي جاءت بتنسيق وعتبات متقنة ومتميزة عبر ثلاثمئة صفحة اكتنزت بطياتها تصورات عليا في مشاهد خاصة ترمز لقداسة الحب تنهل من معجم اللغة اجزلها ومن الحب اشهاها وعلى لسان الشخصية ادقها واصدقها.
يتحفنا السمان في التقاطه واقتناصه للمفردة وقدرته على الولوج في الاحداث المستحضرة التاريخية والسياسية والدينية لنقل المشهد الذي ربما يحمل تأثيرها في الشخصية داخل الرواية او استحضاره كمشهد عام له ابعاد اكبر من ذلك حيث تكون معبرا للدخول لحدث جديد وفكرة متممة للمسار السردي من خلال المشهد كالرحيل من بيروت الى تونس واشارات سياسية للمشهد السياسي المتأزم بتلك الحقبة والوجع الذي حل بالشخصية.
(انقلب الزمان وتغير التاريخ, وبدأت احصي ايامي على طريقة ما قبل الرسالة, وما بعد الرسالة, شطرت رسالتها حياتي كما فعلت من قبل بيروت).
المقهى وما تمثله البيئة المكانية في العمل الروائي كانت الحاضرة عبر مسار العمل فهي مأوى العاشق الهارب من صمته يبحث في ضجيج وضوضاء المتعبين عن قصص تشبهنا نجد في حرقة العينين آلاف الكلمات تمثل مشاعرنا التي تختبئ وراء حبنا الذي يشكلنا ويصهرنا كما يشاء ففيها ايضا مناجم من الاخبار والقصص اليومية ولم تقتصر هنا فكانت المدائن الساكنة في الوجدان تشاركه الحديث والوجدان (بيروت وطرطوس..) وكان السجن كظمأ التائه في صحراء العمر تمضي ثوانيه عمر من الوجع مع ان الدنيا لم تتغير من بعده.
ان مسار اللغة وتتبع المفردة بين التأويل والرمزية تشكل الجملة الاستعراضية والجملة الصادمة في غور اللا متوقع تخرج القارئ من رتابة السرد بلغة رصينة جزلة مكثفة دقيقة الوصف عذبة الاحساس بفقرات متماسكة ومترابطة عبر اشكال الحوار الخارجي والداخلي عند الراوي النهم، في معرفته باركان الرواية من خلال اساليب النداء والرجاء والاستفهام والنفي يحملك كطائر محلق بأبجدية شهية تخرج بشغف العاشق المنساب بكلامه في الحب وكانه غيوم معنونة جميعها باردة، دون غيث غير التي اسماها الحب.
(لقد رماني من شرفة أحلامي)
حين يصبح الروائي منقبا عن اثراء المادة الروائية فعليه ان يخرج من عباءات السرد المباشر والمفردة الصريحة في العمل كافة فنجد ان دقة اختيار المفردة عند السمان بين النقيض والمفارقة ترتقي بطرحها حول المفاهيم العامة للمصطلح الادبي في درجة وصف الحالة او تسميتها ببعد فلسفة حول الشك واليقين والشعور بين متناقض الفكرة والعمل بها، ونقيض الحالة في الشخصية عبر الاحداث والوقت.
الترابط والتماسك في النص الروائي عند السمان قيمة تضاف الى هذا المنجز الشمولي للعمل الروائي الذي يمتلك مقومات نجاح العمل السردي من حيث اللغة والأسلوب والمضمون، ففي حب وثني (رواية من رحمها تلتقط رواية) فنحن شواهد على هذا الكاتب الفيروزي المتمكن بلغته الشعرية العذبة و واسع الثقافة يبحر في حب وثني كأديب شامل تجد عتبات الفصول ابيات شعرية وخواطر جريئة وانفعالات واحداث مرقمة لكل منها نكهة وذائقة جميلة ومدهشة بالإضافة للومضة والشذرة وهو القادر على تلوين لوحاته بمحسنات اللغة من جناس وسجع وطباق وترادفات وتشبيهات وتشخيص وتجسيد وتمثيل وصور فنية عالية الحرفة رقيقة الشعور كما اقتباس الامثال والحكم والقول المأثور التي تخضع لعاملي الحدث والشخصية الروائية الناطقة من هنا نجد ان الشخصيات الثانوية (ام فدوى، ابو خضر، مضر، ابو الوليد) لم تكن فقط اسماء تتعايش مع العمل السردي وضمن الشخوص المحورية لكنها كانت جماعات وازمات طارئة تأتي لترحل مع المشهد الواحد تاتي على لسان ثقافتها وبيئتها بمفردة صريحة وتعابير تناسب الحالة.
(الحب يقطر من عينيك الذابلتين)، (اذا كان عندك قصة ما واردت ان تتخلص منها, فاكتب كتابا).
يقال في علم الفلسفة بانه لا تعريف ثابت للحالة السلوكية والشعورية فهي متغيرة مع البيآت المحاطة والاحداث والظروف والحالة النفسية المتراكمة فمن عتبات الرواية وحتى خواتيمها نجد باننا امام سلسلة من التعابير التي حملت اكثر من تعريف، واكثر من مؤثر اثر فيها كما هو الحب فقد جبلت بعدة مسوغات لتكون كما انطقها نافذ سمان حيث الخلود والهذيان والهيام والشوق الهادر والغيرة والتوسل واسئلة من اسئلة تنجب الف تعبير وتوظيف، لان يصبح عند مالك الحزين وثني وكأنها الحياة وكل ما يحدث ثانوي المشهد والفعل وهو اكثر المفردات يساهم في اعتصار الدمع بالإضافة الى الحب هناك مهارة لغوية وفلسفية ارتقى بها العمل حيث الانثى, الفعل وردة الفعل الفضول والايثار والالم الدمعة المتجمدة في الاحداق وسيل الدموع الجارف بانين الحرمان وهي الزوجة والحبية والبعيدة والقريبة والرحيل والخلود.
(واجبل فكري في هوان بلا لسان ناطق ادعو عليه بحرقة من غير قلب صادق)، (فان تكن القلوب كمثل قلبي فلا كانت اذا تلك القلوب)، (لماذا ما دمت تكره بحاري اراك تقف على شواطئي وأنت بلباس البحر)؟
يعلو صهيل جواد الروائي في حب وثني على مشارف اخر حروف الرواية التي يكتبها في تداخل عبقري يمثل اسلوبا حداثيا يميز الرواية كمن يستيقظ من حلم او يستهل بالحدث الرئيس في العمل السردي، ثم ينخرط بالأحداث فيختلس لحظة عتاب تكشف بان كل الدموع كانت غير كافية على انتصار الحب في استعراضات للتضحية من الطرف الاخر التي تسقط دمعتها باردة على جسده في مسوغ انكسار العاشق المهزوم من شيب العمر والصمت الجائر على الحقيقة.عزيزي القارئ سترتشف قطعة حلوى ستبقى مذاقها و رائحتها العطرة تملأ شهيتك لتنهل من حب وثني، فهي ايضا جمرة بين يديك في ليلة متجمدة لا تدرك من اين ترتعش وتتألم وببرهة تذيب جمرها بالبرَد حين يسكنك عمل شامل عميق بامتياز يلامس شغاف القلب ويروي انبل علاقة في هذا الكون.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.