بيت الشعر الجزائري: مقدمة للتصالح مع الغياب

رفيق طيبي/ الجزائر

يُحاول الشعر الجزائري بعثَ صورة جديدة تسُد ثقوبا أحدثها شلل الثقافة وعجزها عن حماية الإنسان العربي من الخروق والحروب والهواجس الوجودية، وقد منَحت منصات التواصل الاجتماعي فرصة للشعراء ليكونوا جزءا من الحياة اليومية، يشاركون عامة الناس قلقهم ويعبرون عنه وفق رؤاهم الشعرية والانسانية.
لم تكن وسائط التواصل الاجتماعي فأل خير دوما على الشعر، فرغم أنها ساهمت بشكل قوي في إبراز أسماء مغمورة بدفعها إلى الصفوف الأمامية إلاّ أنها ساهمت بشكل آخر في ميوعة المحتوى، وتكاثر شعراء الأمية الذين لا يقرؤون خارج مدار شِعر أصدقائهم لتقزيمه أو النفخ فيه، أو النصوص الشائعة المرتبطة بالكتب المدرسية والمنشورات المناسباتية التي تجعل الكثير ممن يكتبون وينشرون غير قادرين على تقديم محاضرة واحدة أمام ثلة من الناس أو الحديث بأريحية معرفية و وعي مع من يشاطرهم الكتابة.
في خضم هذا الوضع ينشأ بيت الشعر الجزائري بمبادرة انطلقت من الفايسبوك، حيث دعيّ الشعراء إلى مشروع بيت جامع، يكون خريطة وإطارا للعمل وحظيت الفكرة بتفاعل مهم انتهى بتأسيس البيت بشكل رسمي وفي مؤتمر جامع عقد بمدينة وادي سوف الجزائرية ( 700 كلم عن العاصمة) منتصف سنة 2017 أعلن خلاله عن الخطوط العريضة للعمل وعن رؤية البيت للشعر، وقد ترأسه الشاعر سليمان جوادي (1953 – ) الذي عرف بكتاباته الشعرية والغنائية
( يوميات متسكع محظوظ، لا شعر بعدك ..) كما عمل بالعديد من الجرائد الوطنية وقد خبر تسيير قطاع الثقافة من خلال عمله كمدير للثقافة بالعديد من الولايات الجزائرية في مدة التسعينيات .
عمل سليمان جوادي منذ أولى البيانات والخطابات التأسيسية للبيت على توضيح المقصد من بيت هو المفوض بقيادته فكرر على وسائل الإعلام والشعراء والمثقفين : البيت بيتكم، ليس غرضنا منافسة أحد وعملنا خالص للشعر فقط. وهذا ما أكده الأمين العام للبيت، الشاعر عاشور فني (1957 – ) حيث جاء خطابه واضحا وصريحا « الشعر سيبقى ما بقي الإنسان ولا بدَّ من خريطة عمل، الثقافة الجزائرية وعبر أجيال اعتمدت الشعر كمكون رئيس، الفضاء الوطني صار طاردا للشعر والشعراء، بيت الشعر يسعى لإعادة الشعر لهذا الفضاء.
عاشور فني الذي عُرف عربيا بدواوينه الشعرية وترجماته المهمة من وإلى اللغة الفرنسية ومشاركاته في مهرجانات عالمية للشعر بكندا وكولومبيا وفرنسا وغيرها من البلدان، وبعد مسار ثقافي طويل قرر أن يخوض تجربة تأسيس بيت الشعر داعيا الشعراء الشباب لتأدية واجبهم تجاه الكتابة، زاعما أن مهمتهم (أي جيله) قد تم تنفيذها وعلى الجيل الجديد الا يدّخر جهدا في مواصلة المهام الثقافية الموكلة له، وأهمها النضال من أجل تطوير الحركة الشعرية وممارسة تنوير حقيقي وجاد عن طريق الشعر.
عقد الملتقى الأول لبيت الشعر الجزائري بالجزائر العاصمة (19.20.21 أيار 2018) ) وكان محوره راهن الشعر الجزائري، حيث قدمت العديد من المحاضرات خلال جلسات وزعت على المكتبة الوطنية الجزائرية والمسرح الوطني وقاعة الموقار، حاضر فيها كبار النقاد والباحثين على غرار البروفيسور عبد المالك مرتاض (1935 – ) والدكتورة آمنة بلعلى والدكتور يوسف وغليسي وأحمد دلباني وغيرهم من أعمدة الجامعة الجزائرية .
وقد تجسدت المجايلة بحرص المنظمين على دعوة شعراء شباب يشقون الطريق نحو الشعر في ظروف مناوئة ومعقدة فضمنوا لهم الاحتكاك المباشر، والتعرف على تجارب لها السبق الزماني والإبداعي، وفي هذا قالت الدكتورة وهيبة جراح من جامعة ميلة والتي قدمت مداخلة بعنوان «التجريب ورهانات التجديد في الشعر الجزائري» : استطاع ملتقى راهن الشعر الجزائري أن يجمع بين أجيال مختلفة كتبت الشعر في سياقات خاصة واشتركت في هموم واحدة تعلقت بوضع الشعر، الوطن، الإنسان .. من المفيد جدا أن تجتمع لتعزيز الرؤى وبناء تصور موحد يتيح للجيل الجديد الاستفادة من خبرات السابقين كما يحمّله (أي الكتاب الشباب) مسؤولية مضاعفة الجهود وتطوير أدوات النضال بما يتماشى مع الراهن.
بعد 72 ساعة من التواصل المعرفي والإنساني بين الشعراء والنقاد والجمهور، بمحاضرات وجلسات شعرية ختم اللقاء معالي وزير الثقافة عز الدين ميهوبي بكلمة أكّد فيها دعمه الكامل لبيت الشعر الجزائري خاصة مشروع جمع وطباعة كل النصوص الجزائرية المنشورة عبر التاريخ والمتاحة في عمل يسمى معجم الشعر الجزائري تسهر عليه لجنة مختصة ليكون مرجعا تاريخيا وثقافيا للأجيال القادمة كما جدد تأكيد ثقته الكاملة في مشروع بيت الشعر الجزائري الذي عاهد على أن يكون في خدمة الشعر والشعراء والإنسان في كل السياقات والظروف.
ختاما يمكن القول ان الشعر قد خرج من ضيق وسائط التواصل الاجتماعي بمبادرة بدأت داخلها ونجحت في تحقيق اللقاء الإنساني بما يحمل من سمو وتثاقف، موحد للرؤى وجامع وخير ما دلّ على توحد الشغف الجزائري بالشعر هو مشاركة عميد شعراء الإيموهاغ محمد عجلة (1938 – ) بقصائد تارقية غنائية لآفني آق آكلي، وأوسوك وغيرهم من شعراء التوارق الذين يعيشون في عمق الصحراء الجزائرية، بعيدا عن المركزيات، كما اقترب أكثر جمهور الشعراء والمشاركين في ملتقى راهن الشعر الجزائري من آلة الإمزاد التقليدية من خلال الفنانة شتيمة بوزاد التي قدمت مقطوعات روحية عميقة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.