إحالة المحسوس الى دهشة في «حديقة من زهور الكلمات» للشاعر يحيى السماوي

حسن البصام

صدرت للشاعر الكبير يحيى السماوي مجموعته الجديدة (حديقة من زهور الكلمات) نصوص نثرية 2017 وهي من اصدارات مؤسسة المثقف العربي سيدني/ استراليا عن دار تموز للطباعة والنشر والتوزيع ضمت حديقته مئة وثلاث عشرة زهرة على شكل تويجات نثرية.سعى السماوي الى تشكيل الصور الشعرية ذات النمط الحسي التي تتناغم و مستقبلات الذات البشرية فرحاً وحزناً بكثافة دون إطناب أو جنوحِ خيالٍ رديء.. برهافة وتوقد مخيلته وثراء لغته واكتمال مشغله الشعري فقد تمكن من احالة المحسوس الى دهشة، وهنا تجلت البراعة والاقتدار.. إن الشعرية في هذه المجموعة تجلت في أبهى صورها من خلال ثراء اللغة ونمط التشكيل وسعة الخيال. الشاعر يعيد نسيج المحسوس، يعيد تشكيل الواقع الى واقع محسوس آخر بفاعلية لغته وتوقد فكره.. لغة مختزلة مكثفة بليغة موسيقية شاعرة، وفكر محلق في ارجاء العاطفة والانتماء. وهو المتوثب دائماً حتى كأني أحسب الصورة متحفزة كنمر يوشك على الانطلاق. صور فتية رشيقة باهرة تتشكل بأنساق تركيبية صادمة، متعالية على هشيم المباشرة من خلال لغة موحية بليغة مكثفة معبرة بايحاءاتها وانزياحاتها وتشبيهاتها ودلالاتها متعددة الوجوه.. واستعاراتها المذهلة حيث استخدم الشاعر في اغلب نصوصه التشبيه او الاستبدال او المقارنة لتحل دلالة الكلمات محل المعنى المتداول معتمداً في صياغة الصور على خصب خياله وهو يحلق بالمجاز والإستعارة الى ذروة الصور الشعرية..يرسم لوحة صافية بألوان متباينة، لغة سهلة بليغة كما وصفها الناقد القدير د. حسين سرمك في تقديم المجموعة بـ(البساطة المربكة).
قديماً قيل بأن الشعر هو الكلام الموزون والمقفى. هنا وعلى عتبات هذه النصوص النثرية استشرفت الشعر ببهاء قوامه وسطوع نوره و وجيب نبضه. يقول ستيفان مالارميه: (البيت الشعري الموزون موجود في كل مكان من اللغة، ما عدا الملصقات وصفحة الاعلانات في الصحافة. في النوع المسمى نثرا ثمة ابيات شعرية مثيرة للاعجاب احيانا بجميع الايقاعات. لكن لا يوجد نثر في الحقيقة، ثمة الابجدية ثم الابيات المضغوطة بهذا القدر وذاك. المبثوثة بهذا القدر وذاك. وفي كل مرة لدينا مسعى للاسلوب ثمة النظم).
حين توغلت ذائقتي واستشعرت أنسام الحديقة العامرة بزهور الكلمات، تيقنت أن التخيل غير مشروط بالتحليق، فقد يكون تخيلاً واقعياً راجلاً ملتصقاً بالأرض، تأكد لي ذلك لأني ما لامست كلمة الا شعرت بسخونة نبضها أو برودتها إن اقتضى الحال. وقد تمسك السماوي بموضوعة الحب وتجسد ذلك التفاعل في كيميائية المشاعر التي انتجت عدداً من المجموعات المذهلة عشقاً وانتماءاً.
وقد قال الناقد القدير الدكتور حسين سرمك عند تقديمه المائز للمجموعة (اننا نجد ان الشعراء العرب ـ بل حتى الناس البسطاء لم يعد لديهم فسحة في حياتهم للحب، وصاروا يسقطون منهكين من الطراد المسعور وراء لقمة العيش بصورة اسوأ من الكائنات البسيطة،واصبحوا «يدربون» على الكره والمقت من غير ان يعلموا).
والسماوي واحد من القلة الذين لم ينسحبوا لولائم الحياة وهوسها وانشغالاتها.. المرأة تشكل عتبة القصائد وهي عنصر خالق مزهر:
لكثرة ارتشافي ندى زهورها
صار فمي فراشة
ويقول:
لو جفَّ النهرُ ونضبَ الينبوع
فسأتيمم من هديلك
زفيراً طيباً
وقد استشهد الناقد د. حسين سرمك بقول المحلل النفسي الفرنسي (بيير داكو): (نساء أيامنا هذه أو النساء منذ بعض الزمن هي الاستطاعة الخفية التي تقود العالم سواء كن سراري بيوت الحريم او الخدور او زوجات وامهات اسر، فليس نظام الأبوة ولو كان هادرا سوى مزاح لطيف بالقياس الى القوى الغامضة التي يتصف بها النوع الأنثوي).
السماوي بحر هادر بالشوق مزبد بالحب محتدم لغلبة الوقت ومسك الزمن من رقبته وإرغامه على تقبيل فم امراة والتشبع بعطرها شرباً. حيث تسمو الاستعارة بالنص محلقاً منتشياً حين يشرب العطر بدلا من استنشاقه او تنفسه:
العطر وليس لون الزهور
ما يجذب الفراشة
هذا ما اكتشفته
حين رأيت الفراشات
تدخل من شِق قميصك
لتخرج ثملى
ثمالة شفتيَّ المترنحتين
كلما شربتا
رحيق ياقوتتيك
الحمراوين.
ابتدأت المجموعة بقصيدة (تماثيل وجداريات)، بداية الرغبة الجامحة ليخلد الحبيبة بفيض القبلات ،والحلم النبيل ليمسد الحب والسلام قامة العراق وأطفاله والكادحين:
من أين لي
بإزميلٍ ينحتُ المستحيلَ
لأقيم
لحبيبتي:
تمثالاً من القبلات..
للكادحين:
نصباً من عرق الجباه..
للأطفال:
ارجوحة من الكركرات..
وللعراق:
جدارية
من صلواتِ موسى الكاظم
وتسابيح
عبد القادر الكيلاني!
هذا هو السماوي العاشق الكبير للسفوح المخضرة والحقول الذهبية والسنابل الممتلئة، وبيادر العشق وينتشي بخبز الحب الحار ويزقزق قلبه مع العصافير، يحلق بعيداً وهو يرسم الجمال مروداً ومكحلة.. وهو يشمخ مع المئذنة.. تلك مفردات الجمال التي استوطنت قلبه وأقامت فيه واستعصت على الرحيل لهذا السبب وحده لم يغادر منصة العشق بينما الاخرون ذهبوا لولائم العصر السياسية أو الاجتماعية أو الوهمية.
ظل يحرث جمر تلك المفردات ليستمر توقدها وتتطاير دلالاتها واشاراتها ورمزيتها ألقاً وسناءاً. يقول في قصيدة (خذي الحكمة من النهر):
خذي الحكمة من النهر
فلا تلتفتي الى الوراء
حين تسيرين..
تعلمي من المئذنة التوجه للأعالي
ومن حبة القمح انفجارها في رحم الارض
لتولد السنبلة..
السنبلة التي ستنبت البيدر..
البيدر الذي سيطعم العصافير..
العصافير التي ستطرز الافق بالزقزقة..
الزقزقة التي ستعيد الاعتبار الى اسماعنا..
اسماعنا التي طحنها دويّ الانفجارات…
وحين يؤم العشق في محرابه فإن المراة والوطن على رأس الخشوع، ليبتهل للحب ان يدوم في أرجائهما حيث يختم قصيدته هذه:
في وطن بات مسلخا بشريا
ما عدنا نميز فيه
بين اللص والناطور..
بين البرتقالة والقنبلة..
ولا بين عمامتي زياد ابن ابيه
وعمار بن ياسر!
المرأة مقدسٌ محرابها وهو الناسك المتعبد المنقطع اليها.. يقول في (نهر بثلاث ضفاف):
يومها امسي..
وغدي يومها..
مذ انقذتني مني واطفأتني بنارها
ونحن
قوس وسهم..
محراث وتنور..
ومحراب وصلاة!
ويقول في قصيدة (انا وهي):
وحده عشب حقولها
يحرض غزالة قلمي
على الركض
في مراعي السطور..
ويقول في اخر القصيدة:
وانا من لؤلؤتها الصَّدفةُ
من تنورها: الرغيف
ومن مكحلتها: المرود
ويقول في قصيدة (لذة):
يوم تسلقت نخلتك قبلة قبلة
سقطت مغشيا عليك
من اثر اللذة.
قال الخليل بن احمد الفراهيدي: «الشعراء امراء الكلام، يصرفونه أنى شاءوا. ويجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم من اطلاق المعنى وتقييده، ومن تصريف اللفظ وتعقيده، ومد المقصور، وقصر الممدود، والجمع بين لغاته والتفريق بين صفاته، واستخراج ما كلت الألسن عن وصفه ونعته والاذهان عن فهمه وايضاحه، فيقربون البعيد ويبعدون القريب ويحتج بهم ولا يحتج عليهم».
وفي هذه المجموعة والتي سبقتها، يتجلى هذا الحراك الحر وصولا لاكتمال المعنى المدهش والمبنى المتماسك.
والشاعر مسكون بقامة الوطن وملامحه يحيل عثراته على مدرجات الغربة صوراً شعرية متفردة.في قصيدة (نهر طفولة بدون ضفاف):
مذ خرجت
من جنتي المزدحمة
بالشياطين
داخلا جحيمها المليء بالملائكة
وانا
طفل في الستين
وفي قصيدة (يا سجين قلبي المحكوم بمحبتي المؤبدة):
يريدون لنا ان ننام
ونريد لهم ان يستيقظوا
فمتى ننتصب واقفين بعد طول انحناء
كي يتساقطوا من على ظهورنا
كما تتساقط اوراق التقاويم
على الارصفة؟
او في قصيدة (الامة العربية):
القادة في كل أمم العالم
يجلسون على الكراسي
الا قادة هذه الأمة
فالكراسي
هي التي تجلس
عليهم
هي نصوص مستحمة بالشعر من رأسها حتى اسفل قدميها، بل هي رحيق الشعر وشكله وأنفاسه. وهي اكثر تحليقا لانها تخلصت من قيود الاوزان وثقل الشكلية.. لم ارَ فيها كلمات فضفاضة أوسع من خصر الصورة، بل كان الشاعر يفك رباط الكلمات ويلحقها بغيرها ليُولّد معنى جديداً غير مألوف، ويدهشنا بصور تجدد مخيلتنا وتنشطها وتستأنس بها وتمتعها.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.