واهمون !!

الواهمون تفاعلوا مع إعلانِ سفير روسيا فِي لبنان موقف بلاده حيال تهديد الرئيس الأمريكي ترامب بتوجيه ضربة صاروخية بالقول « إنَّ أي صاروخ أمريكي يطلق على سوريا سوف يُسقط، وسوف تُستهدف مواقع إطلاقه»، فضلاً عَنْ إعلانِ الجيش الروسي مراقبته الوضع فِي سوريا عَنْ كثب، وأنه رصد تحركات للبحريةِ الأمريكية فِي الخليج. وحين كان الناس في سوريا يقتربون مِنْ إعلان بيوت الله أذان الفجر، نفذ ترامب ما وعد به متجاوزاً بكلِ وقاحةٍ المواثيق الأممية الناظمة للعلاقات الدولية، وأنهال أكثر مِنْ مئةِ صاروخ توماهوك على مواقعٍ سورية منتخبة فِي وقتٍ كانت فِيه أفواه المعدات الحربية الروسية صامتة، وكانت مواقع إطلاق الصواريخ الأمريكية والغربية آمنة، وربما كان أفراد طواقمها يغطون بنومٍ عميق بعد تنفيذ العدوان الثلاثي، حيث أنَّ التصدي للضرباتِ الجوية – كما أعلنته وزارة الدفاع الروسية – كان مقتصراً على منظوماتِ الدفاع الجوي السورية. وَأَدْهَى مِنْ ذلك إعلان وزيرة الدفاع الفرنسية أنَّ بلادها أبلغت الجانب الروسي بالتحاق قوات باريس إلى العدوان الثلاثي عَلَى سوريا.
الحكام العرب الذين تزامنت قمتهم «التاريخية» كالعادة مع إطلاقِ الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا الصواريخ عَلَى ثلاثِ منشآتِ فِي شرقي العاصمة السورية دمشق تحت ذريعة الرد على ما «يعتقد» بأنه هجوم بغازٍ سام فِي دوما مطلع الشهر الحالي، كانت ردود فعلهم وإنْ تباينت فِي أسلوب السردِ، إهانة للكرامة العربية التي يتبجحون بها فِي مؤتمراتهم وقممهم وخطبهم، فقد سلبهم البيت الأبيض حتى عبارتي الشجب والاستنكار اللذان كانا يهيمنان عَلَى طروحاتهم؛ إذ سرعان ما سارعت بلدان عربية تعتقد أنها تتمتع بصفةِ اللاعب الكبير فِي المنطقةِ إلى مباركةِ العدوان الثلاثي الجديد، حيث أعلنت السعودية مضيفة القمة العربية الحالية تأييدها الضربة الصاروخية عَلَى الفور، تبعتها مصر وبلدان أخرى، فيما أعلنت الحكومة الاردنية إنَّ الهجومَ عَلَى سوريا سيساهم بإيجادِ حلولٍ سياسية للأزمةِ السورية، وكأن التاريخ يعيد نفسه عندما ألقت أمريكا قنابلها الذرية عَلَى مدينتي ناغازاكي وهيروشيما بدعوى تسريع عملية السلام وإنهاء الحرب العالمية الثانية.
كلّ ما استطاعت روسيا عمله حيال الهجمة الصاروخية الأمريكية الغربية هو إعلان رئيسها فلاديمير بوتين: « أنَّه إذا استمرت هذه الأعمال التي تمثل انتهاكا لميثاق الأمم المتحدة فإنها ستؤدي حتما إلى فوضى فِي العلاقات الدولية»، متناسياً أنَّ البيتَ الأبيض طالما تجاوز مجلس الآمن فِي عدوانه عَلَى الشعوب. يضاف إلى ذلك أنَّ الوهمَ ما يزال يسري فِي نفوسِ الشعوب العربية فِي انتظارِ الرد الروسي عَلَى العدوانِ الثلاثي ضد سوريا بعدما كشفت صحيفة ديلي ميل البريطانية يوم أمس، عَنْ رصدِ كاميرات المراقبة سفينتين حربيتين روسيتين أسفل مضيق البوسفور محملتين بالدباباتِ والشاحنات وسيارات الإسعاف والرادارات فِي طريقهما إلى القاعدةِ البحرية الروسية فِي طرطوس عَلَى الساحلِ شمالي سوريا.
روسيا التي ماطلت طويلاً فِي بيعِها دمشق أنظمة حديثة مِنْ طرازِ «إس300»؛ استجابة لضغوطٍ غربية، لا هم لها فِي الأزمةِ السورية الراهنة غير مصالحها، ومِنْ غير المتوقع دخولها فِي أتونِ حرب مع التحالف الثلاثي الجديد، وَالَّذِي مِنْ بَيْنَ تداعياته توعد فرنسا بتدخلٍ عسكري آخر. وعَلَى الرغمِ مِنْ إشارةِ ترامب فِي تغريدةٍ عَلَى تويتر إلى خيارِ الانسحاب مِنْ الصراع فِي سوريا، إلا أنَّ كلّ الاحتمالات قائمة، فلا يستبعد أنْ تقوم واشنطن بحماقاتٍ جديدة، ولعلَّ تحذير رئيس الاتحاد السوفياتي «المنحل» ميخائيل غورباتشوف، مِنْ أنَّ الضربةَ الصاروخية الثلاثية عَلَى سوريا أشبه بـ «التدريب قبل الإقدام على حرب جدية» ما يعزز تلك الاحتمالات.
فِي أمَانِ الله.

لطيف عبد سالم

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.