الحكومة الإسلامية وسر البقاء

أن يكون النظام إسلاميّاً ليس مجرّد شعار يُرفع أو كلام يُقال، بل يُستدلّ عليه بما يحمل من أهداف ويحقّق من غايات… ثمّ إنّ بقاء هذا النظام واستمراره من النواحي السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة مرهونان بمراعاة مجموعة من الضوابط، يؤدّي ضياعها إلى الانهيار على المستوى السياسيّ-الاجتماعي أو الاقتصاديّ-الاجتماعيّ. هذا المقال يسلّط الضوء على شرطَي إسلاميّة النظام، ثمّ يعرّج على أهم العلل التي تضمن بقاء هذا النظام واستمراره إن روعِيت وإلا كان الانهيار مصيراً محتوماً له، ويجيب أخيراً عن أسئلة ترتبط بالحكومة الإسلاميّة،ويبيّن أمير المؤمنين عليه السلام في عهده لمالك الأشتر(رضوان الله تعالى عليه) أنّ النظام حتّى يكون إسلاميّاً، وحتّى تكون جميع الأعمال إلهيّة، لا بدّ من شرطَين: النيّة الصالحة، وخدمة الناس، «وإنْ كانت كلُّها (الأعمال) لله، إذا صلَحتْ فيها النيّة، وسَلِمَت منها الرعيّة»..بالنيّة الصالحة وبخدمة الناس تكون جميع الأعمال المتعلّقة بالنظام الإسلاميّ عبادة، فالعمل الذي يصدر عن إنسان صالح، ويكون نافعاً للناس، فهو عبادة، أمّا العمل الذي يصدر عن إنسان صالح، لكنّه خالٍ من الفائدة للناس، فلا يكون عبادة، وكذلك العمل من دون نيّة القربى إلى الله فلا يكون موفّقاً حتّى لو كان مفيداً للناس. فالعامل يكون موفّقاً إذا توفّر في عمله شرطان:كون الفاعل صالحاً للعمل ويعمل من أجل الله (حسن الفاعل)..وكون العمل نافعاً للناس (حسن الفعل)…وفي كلماته النورانيّة، يبيّن أمير المؤمنين عليه السلام -وهو ذو الخبرة الطويلة في الحكم الإسلاميّ- عِلل الانهيار السياسيّ-الاجتماعيّ، وكذلك عِلل الانهيار الاقتصاديّ-الاجتماعيّ للحكومة،ويذكر أمير المؤمنين عليه السلام عِلل الانهيار السياسيّ-الاجتماعيّ للحكومات بقوله:»يُستَدلُّ على إدبار الدول بأربع: تضييع الأصول، والتمسّك بالغرور، وتقديم الأراذل، وتأخير الأفاضل»..وكما أرشدنا عليه السلام إلى عِلل الانهيار الاقتصاديّ-الاجتماعيّ، بقوله عليه السلام:»يُستدلّ على الإدبار بأربع: سوء التدبير، وقبح التبذير، وقلّة الاعتبار، وكثرة الاعتذار»..وبعبارة أخرى، العلل الأربعة لهذا الانهيار هي:ضعف الإرادة..والتبذير وتخصيص الميزانيّات المضرّة بالاقتصاد..وعدم الاعتبار بالتجارب النافعة وتَكرار الأخطاء..وتَكرار الاعتذار اللسانيّ بدلاً من معالجة الأخطاء وجبرانها عمليّاً..وكما أنّ هذه الأمور علامة انهيار الحكومة، فهي -أيضاً- علامة انهيار الحياة الشخصيّة للإنسان..ولا يخفى، أنّ السبب الأساسي لظهور هذه العِلل المتقدّمة هو ضعف الإرادة في المجالات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وسوء الإدارة لدى المسؤولين في الحكومة..وإنّ يقظة الأمّة هي الحارسة الفضلى لمنجزات الثورة الإسلاميّة، وفي المقابل، إنّ سقوطها في نوم الغفلة يمهّد لهجوم الأعداء عليها..ودرجة يقظة كلّ أمّة تتناسب مع درجة وعيها، كما أنّ نجاحها في مجاهدة أعداء الدين يتناسب -أيضاً- مع درجة وعيها،وحيث أن الإمام الخميني قدس سره يؤكد في وصيّته للجميع أن يتحلّوا باليقظة ومعرفة أخطار الأعداء وطرق نفوذهم وتغلغلهم داخل المجتمع الإسلاميّ، وخاصّة في الوسطين الحوزوي والجامعيّ، مضافاً إلى تأكيده قدس سره الدعوة إلى الجميع للعمل الدفاعيّ الشامل لمواجهة الهجمات الإعلاميّة التي يشنّها الأعداء..وإنّ أهمّ عوامل انتصار الثورة الإسلاميّة وهي نفسها عوامل بقائها واستمرارها- هي:توفّر الدافع الإلهيّ: ﴿وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ (التوبة: 40)..والاتحاد: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ (آل عمران: 103)، و﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى: 13)..وإنّ الهدف النهائيّ والمطلق للدين هو تنوير بني البشر، وإيصالهم إلى مقامات الشهود ولقاء الله ودار القرار؛ ولذلك، فإنّ قيامهم بالقسط: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد: 25)، وحتى العبادات هي أهداف نسبيّة ومتوسّطة للدين، تمثّل وسائل لإيصال الفرد والمجتمع إلى ذلك الهدف النهائيّ،فجميع القضايا العباديّة والسياسيّة هي بحكم السُبُل، وليست الهدف النهائيّ للدين..نعم، إنّ السياسة أمر ضروريّ وملحوظ في جميع شؤون الإنسان وأحكام الإسلام وأوامره، وبدرجة لا يمكن معها فصل القوانين الدينيّة عن السياسة، كما أنّ السياسة السليمة لا تخرج عن دائرة القوانين الإسلاميّة…إذاً، فالدين الإلهيّ يهتمُّ بالدنيا، ولكن هذا الاهتمام لا يعني «دنيويّة الدين»فالمذموم هو انحصار التوجّه في دائرة الدنيا، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ﴾ (البقرة: 200).

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.