حكايات المنسيين لا تندثر

بين سدّتين ترابيتين شيدتا لحماية بغداد من الفيضانات الطبيعية لا الفيضانات البشرية تجري احداث الرواية الشائقة للكاتب المبدع عبد الله صخي (خلف السدة) التي صدرت عن دار المدى للثقافة والنشر ببغداد سنة 2008. وبريشة رسام ماهر يرسم الروائي صخي وبسخاء حياة الناس المنسيين وكفاحهم من أجل العيش.

ومثلما اكتشف كولومبوس قارة أمريكا يتوقف حصان (سيد جار الله) على الارض الممتدة بين سدتين ترابيتين لحماية بغداد من فيضانات النهر السنوية جنوباً الى الصليخ شمالاً يجري جدول آسن يطلق عليه اسم ( شطيط ). يشير سيد جار الله بالقول: (هنا بيتي وهنا قبري) ص10.

وبأسلوب الراوي العليم يقص الكاتب حكايته التي لا تخلو من اثارة من خلال عائلة سلمان اليونس وزوجته مكية الحسن وبناته حليمة والتوأمتين مديحة وصبيحة والولد الوحيد علي. ويتفاعل القارئ مع هذه العائلة، فالأب مكافح يعمل في معامل الطابوق، والأم تمتهن الطب الشعبي، لكنها تترك هذه المهنة بعد وفاة إحدى المريضات التي وصفت لها الدواء بعد سنة من شفائها!

ويتابع الراوي حالة صبيحة التي هي مولعة بأكل الاحجار والطين ولم تفلح كل المحاولات التي بذلتها أمها للإقلاع عن هذه العادة وكذلك حالة مديحة التي تنام في أي مكان تحل فيه!

ويظل (علي) الابن الوحيد بعد وفاة إخوانه الثلاثة بإصابتهم بأمراض لا علاج لها وتفعل أمه كل شيء من أجل أن يظل حياً، ومنها أنها تنذر أن تضع ديناراً في مرقد سيد جار الله، وتنفذ ما أشارت إليه إحدى النسوة بالتهام جزء من اذن علي!

ومن خلال عشرة فصول يستعرض الراوي التغيرات التي تحصل في حياة سكان الصرائف الهاربين من الفقر والاضطهاد في الريف ليقعوا في ضياع (اللا مدينة) و(اللا قرية) ليشهدوا التقلبات السياسية من الملكية الى الجمهورية والعنف وسياسة تكميم الافواه والاعتقال العشوائي، وصولاً الى سنوات السبعينيات واحتدام الصراع وازدياد الهجرة من الريف الى المدينة ليقدم صورة مصغرة لما يحدث في العراق.

لم يستخدم الكاتب اللغة العامية الا عند الضرورة القصوى وقد حافظ على الروي بسلاسة وبلغة أدبية جزلة، فها هو يصف حالة السكان المهاجرين الجدد بالقول: (هبط الليل. أوقدوا النيران في كل مكان فالعقارب عادة ما تظهر في الظلام. أضاءوا الفوانيس، وأوقدوا مشاعل القناني النفطية ذوو الاسر الكبيرة، نصبوا خياماً لقضاء عدة أيام ريثما يبدأون بتشييد منازلهم.. كان علي بينهم يمشي مهتدياً بالمواقد يتفقد الأسر التي يعرفها لكنه لا يستطيع أن يسأل أياً منها عن بدرية..) ص 151.

بقي أن نعرف أن نهاية الرواية تظل مفتوحة ويظل علي يبحث عن (بدرية) حبه الأول، بما تمثله له من احلام وأمنيات وردية وبحث دائم عن الحرية، ونتعرف لاحقاً الى ان الكاتب سيتابع حكايات المنسيين في روايتين أخريين هما (دروب الفقدان) التي صدرت سنة 2013 ورواية (اللاجئ العراقي) التي صدرت سنة 2017 عن الدار نفسها، ليكتمل إنجازه في بناء معماري يستحضر حيوات أناس منسيين في الحياة لكن حكاياتهم تأبى أن تندثر.

علي جبار عطية

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.