إطلالةٌ لشهرزاد في الألفية الثالثة !!

مواطنٌ مِن القارةِ السوداء يحمل جنسية جمهورية تنزانيا الاتحادية، يدعى «جون بومبيه ماغوفولي»، حاصل علَى شهادةِ الدكتوراه فِي علومِ الكيمياء، بدأ حياته العملية فِي ميدانِ التربية مدرساً بالمدارسِ الثانوية، ثم ما لبث أنْ انتقل للعملِ فِي إحدى الشركات الصناعية قبل أنْ يغير بوصلة حياته المستقبلية ويدخل عالم السياسة مِنْ أوسعِ أبوابه بعد انتخابه فِي عامِ 2015م رئيساً لبلادِه الَّتِي كانت تصنف ضمن لائحة الدول الأكثر فقراً فِي العالم؛ إذ لا يتعدى دخل الفرد السنوي فيها مئتين وخمسين دولارا، ويبلغ معدل التضخم السنوي نحو (20%).
قد يبدو الأمر عادياً إلى هنا، إلا أنَّ هناك مِن المعطياتِ ما يفضي إلى تخطي الرؤية التقليدية فِي تقويمِ الحدث المذكور آنفاً، وجعله لا يبدو كما يظن المتلقي؛ إذ أنَّ الرئيسَ ماغوفولي الَّذِي أطلق عَلَيه أبناء شعبه اسْم «البلدوزر» أو «قاهر الفساد»، وكما وعد في حملته الانتخابية وضعَ نُصب عينيه منذ اليوم الأول لتوليه السلطة فِي بلادِه اجتثاث الفساد ومحاربة المفسدين؛ لأجلِ تحقيقَ ما يصبو إليه المواطن مِنْ إصلاحاتٍ تساهم فِي تنمية اقتصاد البلاد والتخفيف مِنْ معاناة الشرائح الاجتماعية، حيث شن حملة شرسة للقضاءِ عَلَى الفساد بدأها بإقالةِ عدد مِن المسؤولين البارزين وإيداعهم السجن قصد مقاضاتهم. وكان مِنْ بَيْنَ هؤلاء رئيس جهاز مكافحة الفساد، رئيس مصلحة الضرائب، مسؤول بارز فِي السككِ الحديدية ورئيس هيأة الموانئ. واستمر الرئيس ماغوفولي في إطار حملته الإصلاحية بقراراتٍ جريئة تضمنت إعلانه حالة التقشف، حيث قلص رواتب البرلمانيين وجعلها مساوية مع باقي الموظفين، وأمر ببيعِ جميع سيارات الدفع الرباعي التابعة للدولة فِي المزادِ العلني، وعوض الدوائر الحكومية بسيارات تويوتا. كذلك عمد إلى إلغاء احتفالات يوم الاستقلال، وأعلن حظراً عَلَى جميعِ المؤتمرات الحكومية، وأصدر أمراً منع فِيه جميع سفريات المسؤولين إلى خارجِ تنزانيا مِنْ دُونِ ترخيصٍ مباشر منه، ولعلَّ مِنْ بَيْنَ تدابيره فِي هذا المنحى إرساله أربعة مسؤولين فقط لتمثيل بلاده فِي لقاءِ «الكومنولث» بدلاً مِنْ خمسين مسؤولاً كانوا يشاركون سابقاً فِي هذا الملتقى، ثم أردف ذلك الأمر بقرارٍ آخر منع بموجبِه المسؤولين فِي الحكومةِ مَن السفر فِي الدرجةِ الاولى عَلَى الطائرات، فضلاً عَنْ تقليصِه عدد الوزراء مِنْ (30) وزيراً إلى (19) وزيراً.
لعلّ مِن المناسبِ أنْ نشير إلى أنّ الرئيسَ ماغوفولي، قام بطردِ عشرة آلاف موظف بسبب «التزوير»، فضلاً عَنْ عدمِ تردده فِي إصدارِ أمر باعتقالِ رئيس الديوان فِي تنزانيا مع خمسة مِنْ كبار مساعديه، وبدأ تحقيقاً جنائياً معهم عَلَى خلفيةِ اكتشافه وجود تجاوزات ضريبية واختلاسات بلغت (40) مليون دولار مِن العائدات. وأدهى مِنْ ذلك أنّ ماغوفولي فوجئ أثناء زيارة مفاجئة قام بها للمشفى الرئيس فِي مدينةِ «دودوما» العاصمة، بوجودِ مرضى يفترشون الأرض، بالإضافةِ إلى عطلِ الأجهزة الطبية، فكان أنْ قام بإجراءٍ فوري قضى بسجنِ جميع المسؤولين فِي المشفى، واشتراطه عَلَى إدارة المشفى الجديدة تريب الأوضاع وإصلاح المعدات والأجهزة خلال مدة لا تتجاوز الأسبوعين، لكن المذهلُ فِي الأمرِ أَنَّ تلك الإدارة أنجزت جميع التزاماتها خلال ثلاثة أيام فقط !!.
تصدع ذاكرة الضمير لدينا؛ تجعل ما ورد آنفاً مِنْ حكاياتِ ألف ليلة وليلة !!.
فِي أمَانِ الله.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.