السيف والفتوى دراسة توثيقية لجرائم الإبادة الجماعية في العراق من العصر الأموي حتى الاحتلال العثماني

35

د. حيدر فرحان الصبيحاوي

تنشر (المراقب العراقي) كتـــاب (السيف والفتــوى) لـ د. حيدر فرحان الصبيحاوي، الصادر عن مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية. ويوثق الكتاب ويؤرخ لجرائم الابادة الجماعية التي تعرض لها العراق من العصر الاموي وحتى العصر العثماني.3. إبادة المجتمع في قعر السجون والتهجير القسري والنفي
ان الهدف الأساس من نشأة السجون في فلسفة الإسلام هو لمكافحة الجرائم والجنايات والقضاء عليها لخلق مجتمع متماسك خالٍ من الجريمة والمجرمين، ولذلك فالسجن بمعناه الوظيفي الحقيقي هو أحد أنواع القصاص من المجرمين كما جاء في قوله تعالى (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون)، وفي سورة المائدة قال تعالى (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلٌوا سبيلهم إن الله غفور رحيم).
وورد مصطلح السجن في السنة النبوية الشريفة، ودلالته واحدة هي المنع والإلزام ومعاقبة المخالفين له كأسلوب من أساليب حمل الإنسان على عدم ارتكاب المعاصي، ومنها قول الرسول (ص): (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته) ويقصد بحل العرض: اغلاظ القول والشكاية، وبالعقوبة: السجن.
على ما يبدو أنه كان في بداية ظهور الإسلام سجنان أحدهما خاص بالرجال والآخر بالنساء، ويستدل على ذلك ما ورد من أن الرسول(ص) قد حبس بنتاً لحاتم الطائي في بيت بباب المسجد وكانت النساء تحتبس به يسمى الترسيم كما استعمل المسجد والدور في سجن الأسرى والمخالفين، ومما يقال أن الرسول سجن أسرى بني قريضة في دار نسيبة بنت الحارث.
استكمالاً لما وضعه الرسول من سنن فيما يتعلق بأمر المخالفين، فقد اتسمت السجون في بداية العصر الراشدي بالبساطة، وفي بعض الأحيان يسجن المخالف في أحدى الدور في عهد الخليفة الأول أبي بكر وكان الخليفة الثاني عمر بن الخطاب يسجن في بئر، فقد سجن بها الحطيئة الشاعر وقال فيها: (ألقيت في جوف مظلمة)، وابتاع عمر داراً لصفوان بن أبي سفيان في مكة بأربعة آلاف درهم وجعلها سجناً ولعل ذلك في مرحلة لاحقة من تطور نظام السجون.
في أيام عمر وذلك سنة (14 هـ/ 636 م)، أول سجن بناه عتبة بن غزوان في البصرة حين بنى دار الإمارة والمسجد من القصب ثم بنى السجن باللبن ليكون أكثر ضبطاً وصار بالموقع المسمى بالمحلة البيضاء وسمي بالمخيس، والتخييس من التذليل.
كما اتخذ سعد بن أبي وقاص سجناً في مقر قيادته بقلعة قديس قبيل وأثناء معركة القادسية سنة (14 هـ/ 635 م) والذي يقع في القادسية على الطريق الذي يصل العراق بالجزيرة العربية ويبعد حوالي (15 ميلاً) عن الحيرة، وممن حبس في هذا السجن أبو محجن الثقفي.
في زمن عثمان بن عفان كان يسجن في حصن، فقد سجن عبد الرحمن بن حنبل الجمحي بسجن القموص بخيبر لهجائه له لأن عثمان أعطى خمس الغنيمة لمروان بن الحكم فأمر بسجنه.
تذكر المصادر التاريخية بأن أول من بنى سجناً في الإسلام هو الإمام علي بن أبي طالب (ع) في مدينة الكوفة وسماه نافعاً وبناه من القصب، ولم يكن محكم البناء فكان المسجونون يهربون منه، فبنى سجناً آخر من الآجر والجص سمي مخيساً وسمي بهذا الاسم لأن الناس يلزمون نزوله وهو أول من أجرى على المسجونين ما يحتاجون إليه.
كانت تلك السجون مؤسسات اقتضتها الضرورة لإنشائها لحفظ مصالح الناس وصيانة كرامتهم وعزتهم. ومعاقبة المسيئين وإصلاحهم وتهذيبهم كي يعودوا إلى المجتمع أشخاصاً نافعين، لكن منذ بدايات العصر الأموي أصبح للسجن مهمة أخرى، بعيدة عن الضرورة التي تأسس من اجلها وهي حفظ الأمن وإصلاح المذنبين، وإنما أصبح المكان المناسب للتخلص من الخصوم وحركات المعارضة، فتذكر المصادر إن أول من نظم السجون هو معاوية بن أبي سفيان (41 ـ 60 هـ/ 661 ـ 680 م) حتى قيل انه أول من وضع السجون وأوجد عليها الحراس لتعقب حركات المعارضة للحكم الأموي.
كان العراق معقل المعارضة للحكم الأموي فكثرت فيه السجون حتى يودعوا أفراد المعارضة فيها، وكان في الكوفة أكثر من سجن، ومن أشهر الذين سجنوا فيها المختار الثقفي سنة (66 هـ/ 685 م).
وكان سجن في البصرة ،سجن فيه عبيد الله بن زياد أتباع الإمام الحسين (ع) بعد استشهاده وأثقلوا بالحديد، أما سجن البصرة الذي بناه عتبة بن غزوان من القصب، ثم بناه الحجاج أثناء ولايته على البصرة فكان يسجن فيه من غضب عليه ومعارضي الحكم الأموي، وبعد ذلك نقل السجن في مكان بحي نمير وكان يسمى بالحبس الأكبر وبقي قائماً إلى زمن المنصور، ومن السجون الأخرى هو سجن قصر المسيرين وكان هذا القصر لعبد الرحمن بن زياد بن أبيه، حوله الحجاج إلى سجن وسجن فيه الخارجين على الحكم الأموي الذين خرجوا مع عبد الرحمن بن الأشعث إبان ثورته سنة (81 هـ/ 700 م)، ومن السجون الأخرى هو سجن لعلع الذي يقع ما بين الكوفة والبصرة.
كما بنى الحجاج في واسط سجناً يقع في الجانب الغربي من المدينة والمعروف بالديماس ويبدو أنه كان سجناً كبيراً حيث يذكر الحموي: (إنه أحصى في محبس الحجاج ثلاثة وثلاثين ألف إنسان لم يحبسوا في دم ولا تبعة ولا دين)، وكلام الحموي يدلل على أن المسجونين كانوا سجناء رأي معارض لطغيان الحكم الأموي وسياسة الحجاج الدموية وفي رواية أخرى أنه كان في الحبس خمسون ألف رجل وثلاثون ألف امرأة، منهن ستة عشر ألف عارية من الثياب، وكان يحبس النساء والرجال موضع واحد في ، ولم يكن للحبس ستر يستر الناس من الشمس في الصيف، ولا المطر والبرد في الشتاء ولا سقف له، فإذا أوى المسجونون إلى الجدران يستظلون بها من حر الشمس رمتهم الحرس بالحجارة، وكان له غير ذلك من العذاب.
لقد انتشرت السجون في العصر العباسي في مراكز المدن الكبيرة وبخاصة الكوفة والبصرة وبغداد، ومن بعدها سامراء وكان الغرض الرئيس منها زج المعارضين لسياساتهم التعسفية فيها.
أبرز السجون التي بناها أبو العباس السفاح هو سجن الكوفة وكان يقع على نهر الفرات، وهو حجرات مظلمة وسراديب مجصصة، وكان ضيقاً بحيث يصعب دخول الهواء اليهم، وقد استخدمه المنصور في سجن آل الحسن وكان سرداب تحت الأرض لا يفرقون بين ضياء النهار وسواد الليل، ولم يكن عندهم بئر للماء ولا سقاية، وقد ردم عليهم المنصور السرداب فماتوا، بينما يذكر المقريزي كان المنصور في بداية حكمه يحبس من يخشى منهم في قصر أبن هبيرة بالكوفة إذ يقول: (ثم حبس عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) وعدة من بني حسن، …..، وجعل القيود والأغلال في أرجلهم وأعناقهم، وأركبهم محامل بغير وطاء، وسار بهم من المدينة النبوية وطنهم ووطن آبائهم، …..، ومضى ببني حسن إلى الكوفة فسجنهم بقصر ابن هبيرة وتركهم يموتون جوعاً وعطشاً). ولا تختلف رواية اليعقوبي عن المقريزي، ولعل السفاح والمنصور استعملوا قصر ابن هبيرة كسجن لمعارضيهم وكان يحتوي على سراديب. ويذكر ابن تغري بردي بأن المسجونين كانوا يبولون ويغوطون في مواضعهم وإذا مات منهم ميت لم يدفن، بل يبلى وهم ينظرون إليه، واشتد عليهم رائحة البول والغائط، فكان الورم يبدو في أقدامهم ثم يرتقى إلى قلوبهم فيموتون.
وتحدثنا قبل قليل أن المنصور استعمل سجن البصرة الذي بناه عتبة بن غزوان، وسمي بالحبس الأكبر، فقد تعرض للهجوم من إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن العلوي وكسرت أبوابه، ولعل قيام إبراهيم العلوي باقتحام السجن وفتح أبوابه بأنه كان يضم أتباع أهل البيت والمعارضين السياسيين للحكم العباسي.
وفضلاً عن ذلك فكان للمنصور بيوت اتخذت كسجون، كان أساسها من الملح يحبس فيها خصومه المطالبين بالخلافة، وممن حبسه المنصور في أحد تلك البيوت عمه عبد الله وقتله.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.