سلسلة المزارات الشيعية الشريفة مـــزار السيـــــد ادريـس «رض»

إبراهيم الخطاط الفرطوسي

تنشر (المراقب العراقي) سلسلة عن تاريخ المزارات الشيعية المقدسة في العراق، والتي يكتبها الخطاط (ابراهيم الفرطوسي)، بالتعاون مع الاستاذ الكاتب والاعلامي السيد محمود الهاشمي. وتتناول هذه السلسلة قصص المزارات الطاهرة، وكيفية العثور عليها، مع عرض لقصة صاحب المزار.اسمه ونسبه هو السيّد إدريس بن موسى الثاني بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن المجتبى بن علي بن أبي طالب (ع). ولد في القرن الثالث الهجري، من أُمّ مغربية. قال السيّد ابن عنبة في عمدة الطالب: كان إدريس بن موسى الثاني سيّداً جليلاً.
نشأته
كان السيّد إدريس مع أبيه موسى الثاني عندما حمله جنود المعتزّ العباسي من المدينة المنورة، فلمّا وصلوا بناحية زبالة في البصرة هرع أُناس كثير من العرب من بني فزارة, الذين كانت تربطهم مصاهرة مع آل البيت, وغيرهم, لتخليص موسى الثاني وابنه من جنود المعتزّ، فدارت معركة استشهد فيها والده (او بسمّ وضعوه له)، و دفن في البصرة مع اربعة من اتباعه.
وانقذت بنو فزارة ابنه السيّد إدريس من جنود المعتزّ الظالم. وفي عام 250 هـ , ثار السيّد أحمد بن عيسى بن الحسين بن الإمام علي زين العابدين بن الإمام الحسين (ع) في الري على الحاكم العباسي، فخرج السيّد إدريس معه، وقاتل جنود المعتزّ العباسي، فطردوا الحاكم في الري، ثمّ سيطروا على مدينة قزوين.
إستشهاده
بعد مقتل والده جيء بالسيد ادريس وعائلته وأودعوا في سجون بغداد، وبعد مدة استطاع بعض اتباع والده من بني فزارة انقاذ السيّد إدريس وجيء به الى منطقة الكرادة، التي كانت تسمى سابقا بـ»تل السوس»، وتعني كثرة الخيرات, ولأهالي هذه المنطقة تاريخهم المعروف بحب آل البيت وموالاتهم، فناصروه حتى كبر وأصبح إمام الجماعة والعالم الموجه. وعندما اكتشف العباسيون مكانه حاولوا اعتقاله فرفض أهالي المنطقة تسليمه ودافعوا عنه حتى اندلعت معركة سميت معركة «ارض السوس» استشهد فيها السيد ادريس مع ولديه سعيد وابراهيم في سنة 300 للهجرة, ودفن هناك.
بناء المرقد الشريف
بعدما كان مرقد سيد ادريس حكرا على أهالي الكرادة لسنوات طويلة, أخذ الناس يفدون اليه من أنحاء بغداد والمحافظات بناءاً على ما تناقل على ألسنة الناس من كراماته، حيث ان أهالي الكرادة كانوا يعتقدون أن السيد ادريس دفن في هذا التل مما دعا بعض رجال الدين الى نقل الخبر الى الحوزة الدينية في النجف الأشرف، والتي كان يتزعمها آنذاك المجتهد العلامة محمد سعيد البغدادي، والذي سعى بدوره للتنقيب عن نسب صاحب القبر فأثبت صحته. وبدوره تبرع السيد البغدادي ببعض الأموال لبناء هذا القبر فقام أهالي المنطقة ببسط التلال, وتم بناء قبر بسيط من الطين, وهكذا صار معروفا أكثر لدى الناس.
ويعتقد ان تاريخ البناء الأول في بداية القرن العشرين حيث اسس الانكليز معسكراً لهم قرب المرقد، وجلبوا معهم العديد من الجنود الهندوس والسيخ الذين اصطدموا مع الكراديين بشأن معتقداتهم، فحاولوا تهديم القبر ومنع المسلمين من الدخول اليه, وفشلت العديد من محاولات تهديم المرقد وتداول الناس المثير من الحكايات الاسطورية عن ذلك، واشاروا الى ان القائد البريطاني أمر بوقف التهديم وأمر ببناء سياج من الاسلاك الحديدية يحيط بالقبر وحول مدخل المعسكر الى الجهة الثانية لمنع وجود الجنود الهندوس والسيخ هناك, وكان هذا سنة 1920 وبدأت مرحلة البناء الثانية، حيث تم بناء القبر من الطابوق. كما أضيف اليه بناء القبة وبعض الاروقة. وفي الستينيات ازداد العمران في الكرادة فبنيت اضافة الى الدور الفخمة بعض الحسينيات المعروفة التي ضمت رفات بعض العلماء مثل السيد الشهيد مهدي الحكيم والسيد طاهر الحيدري. وكان هذا سبباً في اثارة نقمة الناس ضد الجهات الدينية والحكومية المسؤولة التي أهملت بناء مرقد السيد ادريس مما جعله, على علو شأنه, يبدو أقل شأنا من مراقد اولئك العلماء. فتم بعد ذلك تحويله من قبر طيني الى مزار واسع يزدان بالنقوش وفن العمارة الاسلامية عام 1967، وقد ساعدت جمعية الصندوق الخيري الاسلامي ومع تشجيع أهالي الكرادة وتبرعاتهم تم الشروع في عملية بناء المرقد وتوسيعه. وكانت اولى المراحل هي صب الأرضية لتجهيز مكان لصلاة الجماعة. وخلال سنتين تم تزويد المرقد بالماء والكهرباء وانشاء مرافق صحية للنساء والرجال وأماكن الوضوء، واقيمت أول صلاة جماعة في المرقد في عام 1968. وتطور الأمر الى اقامة المحاضرات الدينية وكان اول من ألقى المحاضرات في المرقد بعد بنائه الشيخ احمد الوائلي وكان ذلك في شهر رمضان في سنة 1968.حيث شكل قدوم الشيخ الوائلي انذاك حدثا كبيرا حيث تجمع عدد غفير من أهالي الكرادة، وتدريجيا تحول المرقد الى مركز ثقافي وديني مهم وتجاوزت التبرعات النقود لتمتد الى الطعام الذي يقدم لمساعدة الفقراء والمعوزين. عندئذ ازدادت الحاجة لتوسيع المقام ليتناسب وعدد الزائرين والوافدين اليه احيانا من محافظات القطر.
ثم تم استئناف تطوير المرقد، فأقيمت الأعمدة، وهكذا شهدت أروقة المقام اولى عملية بناء مسلح. ومع زيادة التبرعات ومباركة الحوزة الشريفة عند علمها بالأمر, واُستقدم متخصصون لبناء القبة الجديدة والمنائر واعمال الزخرفة والنقوش الزجاجية. وكان أهم الانجازات انشاء مكتبة ضمت اكثر من 6000 كتاب. وربما يكون مرقد السيد ادريس هو المقام الوحيد الذي بني بجهود ذاتية ولم يتسلم تخصيصات من الحكومة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.