الفكر الديني في المجتمع الإسلامي

إن أحكام الإسلام حيَّة وليست ميِّتة، وقد تعهَّد الله بحفظها..﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون﴾..وخصوصية الخلود هذه هي التي تميِّز الدين الإسلامي الخالد عن باقي النظريات العلميَّة، إذن الدين حي ليس بحاجة إلى إحياء، والذي هو بحاجة إلى إحياء هو التفكير بشأن الدين، وغسل الأدمغة من الشبهات والانحرافات المتراكمة، فالإحياء بمعنى إزالة ما علق بالدين من تشويهات وتحريفات اتخذت عبر الزمن صفة دينية، وتقديم الدين بشكل يواكب متطلبات العصر.لقد ورد عن آل بيت النبوة عليهم السلام في موارد متعددة: «أحيوا أمرنا»..وقد يعترض البعض فيقول إنّ الدين هو عامل إحياء الإنسان﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾..فكيف تقولون إنّ الإنسان هو الذي يحيي الدين؟!والجواب: أنّه لا تنافي بين الفكرتين، فالإنسان إذا تمسك بالدين يقوم الدين بدور إحياء هذا الإنسان، وفي الوقت نفسه يقوم الإنسان بإحياء الدين وذلك عندما يعمل بالسنة ويميت البدعة، تماما كالغذاء فإنه يحافظ على الإنسان والإنسان يقوم بدوره بالحفاظ على الغذاء. يقول إقبال»هو من الشخصيات التي تصدت لمسألة الإصلاح الديني، وقد ترجم له كتاب بالفارسية يحمل اسم «إحياء الفكر الديني في الإسلام»، يضم سبع محاضرات أكاديمية ألقاها في باكستان، وقد سبر إقبال الفكر الأوروبي واطلع بدقة على الحضارة الغربية، وشاهدها عن كثب، وكتب بلغتها حتى عرفه الغربيون عالما مفكرا، لكنه لم ينبهر بمظاهرها بل قام بالكشف عن عيوبها وسمومها، وعن مستقبلها المظلم والموحش، محذرا شعوب الشرق من الانجرار وراءها على غير هدى في كتابه إحياء الفكر الديني في الإسلام:»أبرز ظاهرة في التاريخ الحديث السرعة العظيمة التي يتحرك فيها العالم الإسلامي روحياً صوب الغرب»..ويعترض إقبال على كل الرؤى الوضعية بأن ليس فيها أي ضمان للنفوذ إلى أعماق البشرية، بخلاف ما هو موجود في الإسلام، الرؤية الإلهية، وما فيه من ضمانات تنفيذية، وهو يرى أن البشرية بحاجة إلى أمور ثلاثة:
أولاً: تفسير روحي للعالم، لأن العالم بالمنظور المادي أعمى، يتحرك حركة عابثة غير هادفة، بينما هو في التصور القرآني. ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾..ولا يضيع فيه مثقال ذرة من خير أو شر، بل كل شي‏ء بعين اللطيف الخبير الذي. ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾..ثانياً: الحرية الروحية للفرد، القادرة على إطلاق الطاقات الإنسانية الكامنة، وتخلصه من كل الرؤى المقيدة والمكبلة له ولشخصيته..ثالثاً: المبادئ الأساسية العالمية، يقصد بذلك المبادئ الإسلامية التي مفعولها عالمي، وتدفع البشرية باتجاه الرقي والتكامل..فالحياة التي يتحدث عنها القرآن حياة يخرج بها الإنسان من ظلمات البهيمية إلى نور الهداية الإلهية، ومن الموت الذي تكون فيه الأرض صلدة لا تتقبل الحق، إلى حياة نورانية تكون الأرض خصبة مستعدة لتحمل الرسالة الإلهية..فالمجتمع الإسلامي الواقعي مجتمع حيّ بسبب الترابط والتعاضد بين أفراده.»مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى».هذه الحمى ليست عملية مواساة فحسب، وإنما هي حالة نفير عام لكل الأعضاء لمواجهة العدو الداهم على العضو المصاب..بينما المجتمع الإسلامي المعاصر تمزقه الخلافات والصراعات الداخلية التي يراهن عليها أعداء الإسلام، فأين المسلمون من الترابط؟ فالخلاصة الفول..ليست أحكام الدين ميتة، وإنما هي العقول انحرفت في تفكيرها عن الجادة المستقيمة، فكان لا بد من إحياء لهذا التفكير، وقد تعرض إقبال لمسألة إحياء الفكر في الإسلام، وقارن بين النظريات الغربية وما يقدمه الإسلام للبشرية، وقال: «إن المجتمع البشري بحاجة إلى أمور لكي يبقى حيا، وهذه الأمور موجودة في الإسلام».

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.