تساؤلات حول ولاية الفقيه

تثار بين الحين والآخر مجموعة من التساؤلات أو الشبهات في وجه نظرية ولاية الفقيه، سواء من أعداء أم خصوم أم حتى أتباع هذه النظرية وذلك بالرجوع إلى ما كتبه بعض الباحثين والعلماء حول هذه المسألة:-
كيف يكون الردّ على الوليّ الفقيه ردّاً على الله تعالى؟!
ورد هذا التعبير في الروايات التي استدلّ بها الفقهاء على ولاية الفقيه وبعض أحكام القضاء، وهي الرواية المعروفة بمقبولة عمر بن حنظلة، حيث جاء عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: «ينظران إلى من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضَوا به حَكَماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً..فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّه استخفّ بحكم الله، وعلينا ردَّ، والرادّ علينا الرادّ على الله…»فولاية الفقيه امتداد لولاية المعصوم، وطاعته واجبة كطاعته، وإلا فما معنى كونه نائباً عنه في الأمور العامّة؟ وقد ورد في التوقيع الشريف الصادر عن الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف وهو من الأدلة التي استُدِلّ بها على ولاية الفقيه أيضاً، قوله عجل الله تعالى فرجه الشريف: «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله (عليهم)».
وفي الحقيقة، إن الفارق التطبيقيّ بين نظام ولاية الفقيه وبين غيره من الأنظمة، هو أن القوانين في الحكومة الإسلامية تكتسب اعتبارها وشرعيتها بإذن وإمضاء الوليّ الفقيه، وتصبح واجبة شرعاً، ومخالفتها إثم يوجب العقاب الإلهيّ. وهذا بخلافه في النظام الديمقراطيّ الذي ليس فيه أي إلزام شرعيّ، لكونه يستمد مشروعيته من تعهّد الناس الإرادي أمام القوانين، وبوسعهم التمرّد عليها وإعادة النظر فيها، وتغيير مواد القانون حسب رغباتهم.
الشيخ الأنصاري ونظرية ولاية الفقيه
يُنسب إلى الشيخ الأنصاري رحمه الله أنه ينكر القول بولاية الفقيه وقد استغل بعضهم ذلك للطعن بهذه النظرية بدعوى أن كباراً من العلماء أمثال الشيخ الأعظم ينكرون ولاية الفقيه، فما رأي الشيخ في المسألة؟الجواب: إنّ الشيخ الأنصاري ذكر في كتاب المكاسب معنيين للولاية، وبعد مناقشة أدلة المعنى الأول، وهو القول بولاية الفقيه العامة المطلقة، رفضه ولم يرتضه، ولكنّه قبِل المعنى الثاني، وهو القول بثبوت الولاية للفقيه، بمعنى اشتراط إذنه في التصرف في الموارد التي:يُعلم إرادة الشارع ضرورة وجودها في الخارج واحتمل اشتراط إذن الفقيه ونظره فيها،ولم يعلم كونها وظيفة شخص خاص، كنظر الأب في ولده مثلاً،ولم يحتمل كونها من مختصات الإمام المعصوم عليه السلام،وطبقاً لما تقدم، يمكن القول إنّ الضرورة الداعية إلى تشكيل الحكومة الإسلامية لم تسقط في زمان الغيبة، فيجوز للفقيه تولّي الحكومة، بل يتعيّن عليه ذلك، لاحتمال اشتراطها بالفقيه، وعدم وجود دليل على جواز تولّي غيره لها وهذا يعني أن الشيخ لا ينكر ولاية الفقيه بالمطلق، ولكنه يقول بثبوتها بمقدار معين، وهو ليس بالقليل.
هل يلزم الديكتاتورية من نظام ولاية الفقيه؟
قد أثير هذا الموضوع في بدايات انتصار الثورة من جمع قليل أبدوا رفضهم باعتراضات أثاروها وكان من جملة ما أوردوه دعوى أنه يلزم من نظرية ولاية الفقيه «الديكتاتورية»، وأن يكون الحكم المبنيّ على أساسها نظاماً ديكتاتوريّاً،وقد تصدّى الإمام الخمينيّ (قدس سره) بنفسه لهذه الدعوى، ولم يكن يسمح بأي تهاون معها، حتى إنّه دعا جميع خطباء الجمعة في ذلك الوقت إلى بيان مسألة ولاية الفقيه بشكل واضح، حتى لا يقع الناس في شباك أولئك الذين أرادوا زعزعة ثقتهم بهذا المبدأ المقدس..وسنكتفي في الرد على هذه الشبهة بما يفهم من كلمات الإمام الخميني (قدس سره) في هذا الصدد: ليس من الديكتاتورية في شيء أن يكون النظام المعتمد في إيران قد أيّده أكثريّة الشعب دون ضغط أو إكراه،والديكتاتورية متجسّدة في كلمات المعترضين؛ إذ يحاولون، وهم القلّة، أن ينصّبوا أنفسهم في موقع يحسبون أنفسهم أوصياء على الشعب والأمّة وهؤلاء عندما ينصّبون أنفسهم في هذا الموقع يسعون إلى فرض رأيهم وزعزعة ثقة الشعب والمسلمين بهذه الجمهوريّة والثورة، وهذا نحو من أنحاء الديكتاتورية،وإنّ من يدعي أنّ مبدأ ولاية الفقيه يستلزم ديكتاتوريّة، فلا ريب في أنّه جاهل بهذا المبدأ وأهميّته وقدسيّته، بل العكس هو الصحيح؛ فإن الحامي للحريات وفق المبادئ الإسلامية، والحامي لإرادة الشعب وحقوقه والمدافع عنه هو مبدأ ولاية الفقيه، الذي يقوم بمهمة الإشراف على أمور البلد، حتى لا ينحرف أحد ممن يمكن أن يتسلّم مقدّرات البلد وعند التدقيق نجد أنّ أقوى ضمانة يمكن أن يقدّمها الإسلام للمنتسبين إليه في عصر الغيبة هي مبدأ ولاية الفقيه وإنما يكون الحكم ديكتاتورياً إذا استند إلى الرأي الشخصيّ، بعيداً عن أيّ اعتبارات صحيحة، وكان الحاكم قادراً على أن ينفّذ جميع رغباته بدون أن يتجرأ أحد على معارضته..وفي دستور الجمهورية قد حُدّدت للفقيه صلاحيات هي أقصر دائرةً من صلاحياته الأساسية، وإنّما وافق عليها الإمام الخميني (قدس سره) وتلاميذه من مؤسسي الجمهورية المباركة؛ لأن الإمام مؤمن بإعطاء دور للأمة..وإنّ الفقيه يمارس الشورى بأفضل طرقها، وهو ملزم شرعاً وعقلاً بالاستشارات في مواضع كثيرة وها نحن نجد أن الإمام الخميني (قدس سره)، وهو الولي الفقيه الذي كان بإمكانه أن ينفرد بالحكم ولم يكن ليعترض عليه أحد في ذلك الوقت، نظراً إلى عمق المحبّة له في قلب الشعب المسلم في الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، بل وخارجها وجميع المستضعفين في الأرض، نجده قد أسس لعمل جماعيّ يخرج فيه الحكم عن حكم الرجل الواحد، ليكون المستقبل أكثر ضماناً للأمة والمجتمع من خلال تشكيل المؤسّسات التي شرعت في الدستور وأعطيت صلاحيات، وتجسدت بذلك أرقى مظاهر الشورى إن على مستوى التشريع أو على مستوى القضاء أو على مستوى الحكم عامة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.