الجدة

غسان محسن عباس

1

ريح الشتاء الباردة تصفع الوجوه فتترك اثارا تفوق اثار اية كف بشرية مهما كانت قوتها ، خاصة اذا ما كان الخد الذي يتعرض لهذه الريح هو لامرأة عجوز تجاوزت الستين من عمرها واحنت ويلات الزمان ومصائبه ظهرها وهمتها فجعلتها اقرب ما تكون الى كائن عظمي منقرض لا تربطه اية صله بعالم البشر الذي نعرفه ويكثر فيه اصحاب الوجوه الممتلئة والبشرة الناعمة ، على مقربة منها لفت امرأة شابة عباءتها السوداء على جسدها القوي الممتلئ وحاولت ان تغذ خطاها حتى تسير بمحاذاة الرجل الذي كان يسير قريبا منها، فيما صارت الحجوز تحملق في وجه الشابة وهي تتكئ على جدار متآكل بسبب رطوبة الاعوام التي تعقبت عليه ثم مضت في تفكيرها بعيدا وكأنما ذكرتها هذه المرأة بشبابها واستغرقت في ذاكرتها حتى وصلت الى ظهيرة ذلك اليوم الصيفي القائظ حيث يختبئ الناس من الهواء الساخن ويولون هاربين من سياط الشمس اللاهبة وفيما كانت الطيور تلوذ بمخابئها والاشجار تنطوي على نفسها من اجل اتقاء الحر وقفت في باحة منزلها كي تخبز الخبز في تنورها المتواضع حتى تعدّه لزوجها الذي كان يشق طريقه في تلك الاثناء عائدا الى منزله كما اعتاد ان يفعل في مثل هذا الوقت من كل يوم بعدما يكون قد قضى ساعات الصباح في انجاز اعماله المعتادة.كانت طويلة الجسد حتى بدت بالنسبة لمن يعرفونها كأنها نخلة باسقة وبالإضافة الى ذلك فقد كانت بدينة بعض الشيء، لكنها مع امتلائها كانت تبدو لمن يراها كأنها متناسقة الاعضاء للدرجة التي يمكن لنا ان نقول فيها بانها تشبه ولا ريب احدى الاميرات اللاتي عرفتهن هذه الارض في الازمنة الغابرة، اما بالنسبة لبشرتها البيضاء فقد حولت اشعة الشمس لونها الى ما يشبه الحمرة ، وبرغم سكنها في المدينة فهي لم تكن كقريناتها من النسوة اللاتي سكن معها في ذلك الحي الفقير الذي يقع في زاوية ما من زوايا المدينة الكبيرة، فهي انها لم تسمح لترف المدينة ولا لمباهجها ان تضعف من قوتها او ان توهن من عزيمتها التي اكتسبتها في مرحلة طفولتها التي قضتها في تلك المنطقة الريفية التي ولدت فيها ، حيث صعوبة العيش وخشونة البيئة تجعلان المرء هناك قويا الى حد كبير ، لذا بدا وكأن قيامها باشق الاعمال واصعبها كان يعيد اليها شيئا من ذلك الاحساس الذي افتقدته بمرور الاعوام وتباعد الاماكن، كانت تنهض في الصباح الباكر لتباشر قيامها بالإعمال المنزلية بعد ان يمضي زوجها الى عمله، وتظل تتنقل من عمل الى اخر ومن غرفة الى اخرى، فترتب هذه وتنظف تلك وتنجز كل ما بين يديها من اعمال مختلف كغسل الثياب او تنظيف الاواني والمواعين وتظل على هذا الحال حتى اذا ما اقترب وقت الظهيرة تشرع بإعداد الطعام وتهيئته استعدادا لعودة زوجها الى المنزل ، وفي الوقت الذي عرفت فيه بعض الراحة من هذه الاعمال خلال الاعوام الماضية بعدما كبرت ابنتاها فصارتا تعاونانها في انجازها الا انها لم تكن تركن الى الراحة حتى في تلك الايام ، فكانت تجد عملا ما لتشغل نفسها به حتى لو لم يكن ضروريا وكأنها كانت تجد راحتها في العمل والحركة لا في السكون والكسل كما هو الحال بالنسبة لقريناتها من النساء ، ولكن حالها تغير بعد ان تزوجت الشابتان خاصة بعد ان تقدمت بعض الشيء في السن فهي كانت تدرك انها لم تعد تلك الشابة الصغيرة القوية المفعمة بالنشاط والحيوية ، وفي خضم هذه المشاغل الكثيرة كانت تشعر بشيء من الراحة وهي تتأمل في واقعها وتفكر في انها وصلت الى ما لم تكن تحلم به الكثير من رفيقات طفولتها، فقد سكنت في المدينة الكبيرة التي هي كالحلم بالنسبة للغالبية العظمى من سكان القرى والارياف ثم انها تزوجت من رجل شريف وعامل مجتهد، ومع ان المنطقة الشعبية التي كانت تسكن فيها لم تكن تقارن مع بقية احياء المدينة الاخرى من ناحية الجمال او الخدمات المتوفرة فيها، لكنها اصبحت بالنسبة إليها كالفردوس الذي لا يعوض ما دامت تضم زوجها واسرتها التي كانت تجتمع من حولها، وعندما كانت تفكر في احوال اسرتها فإن معظمهم كانوا يبدون لها انهم على احسن ما يرام، فالزوج مثابر في عمله والشابتان قد تزوجتا ومضت كل منهما الى حياتها الخاصة اما هي فلم تكن تفكر في نفسها كثيرا فكانت من النوع الذي يفكر في الاخرين اكثر مما يفكر في نفسه، وكان همها الاول هو العمل على تحقيق امنيات من كانوا حولها واسعادهم ما استطاعت الى ذلك سبيلا، وكان ابنها الاكبر هاشم قد انتقل منذ اعوام طويلة للعيش في بلاد الغربة ولم يكن احد يعلم عن احواله شيئا لكن بعض الاخبار التي كانت تتوارد اليهم من بعض الافراد كانت تقول انه انشأ تجارة كبيرة وصار رجل اعمال ذا شأن كبير لكنَّ احدا لم يستطع ان يتبين حقيقة الامر على اية حال، وحينما كانوا يسألون ام هاشم عنه كانت تقول إنه سيعود حتما في يوم ما ليعينها على صعوبات الحياة ويعوضها عن كل ما عانته من مرارة الحرمان وقسوة الفقر، ولم يكن احد ينغص عليها هذه الافكار خلا ابنها الصغير سالم الذي لم يكن كسائر الشباب ممن يماثلونه في السن، فهو لم يستطع ان يجد عملا دائما له فظل يتنقل من عمل الى اخر ومن العمل الى البطالة حتى اصبح عبئا على اسرته ومجتمعه، وبرغم بلوغه مرحلة الشاب واستحقاقه الزواج الا ان والده كان يعارض وبشدة هذه الفكرة فكان يرفضها كلما كانت زوجته تعرضها عليه بين الحين والاخر، ومع انها كانت ترغب بشدة في هذا الامر لكنها كانت تجد نفسها مضطرة للاذعان لقرار الرجل في نهاية المطاف خاصة ان ابنها هو الاخر لم يكن متلهفا حتى ذلك الحين لخوض تجربة الحياة الزوجية .
اقتربت من ابنها النائم كعادته في مثل ذلك الوقت ثم جعلت تحرك كتفه الممتلئ ببطء شديد كأنها تهز مهد سرير طفل خشيت عليه من خشونة كفيها، وفي حقيقة الامر فان الطريقة التي ربت بها ام هاشم ابنها الاصغر كان قد ساعدت كثيرا على ان يصبح شابا مدللا وغير قادر على تحمل المسؤوليات التي عادة ما يتحملها الشبان ممن هم في مثل سنه، لكنها لم تفكر في تغيير طريقة معاملتها له حتى بعد ان كبر وبلغ مبلغ الرجال اذ انها كانت تراه حتى ذلك الوقت مولودها الذكر الذي يتميز عمن سواه من اخوته واخواته، وكانت لديها اسباب متعددة تجعله مميزا في نظرها فابنها البكر هاشم كان قد نشأ في منزل احد اعمامه بعد ان فرض عليه والده هذا الامر تلبية لرغبة اخيه الذي لم ينجب الا الاناث اما اختاه فلم تكونا في نظرها سوى اناث لا يمكن ان تكون لهن منزلة الذكور ولا يحظين بما يحظى به المولود الذكر من مميزات وفقا لرأيها، وهكذا اصبح سالم ابنها المميز والمدلل برغم انها كانت تهتم كثيرا بجميع ابنائها بشكل او بآخر.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.