الجدة

غسان محسن عباس

2

نهض من فراشه وبدا من نظرة عينيه أنه لم يكن نائما وانما كان يتصنع النوم، وصار يتثاءب ويفرك عينيه كممثل فاشل ويستمع الى كلامها وهي تطلب منه ان ينهض من نومه فتناول يدها وقبّلها ثم نظر في عينيها نظرة لطالما الفتها منه حينما كان يريد ان يحدثها في امر ذي اهمية بالنسبة اليه فسألته:
ـ ما يشغل بالك يا بني؟
ـ أريد ان اكلمك في امر ما.
بدا خجلا بعض الشيء وهي لم تعتده ان يكون كذلك فأنصتت له باهتمام وهو يواصل فيما كانت نظرته مصوبة نحو الارض:
ـ اماه، اريدك ان تكلمي والدي في امر ما.
ـ ما هذا الامر؟
تردد لبرهة ثم قال له: اريد ان اتزوج.
اشرق وجه الام فرحا بعد ان سمعت كلماته كالماء العذب الذي سقط عليها بعد طول انتظار فسقاها وهي العطشى حد اللهفة، وامتلأت نفسها سرورا وشعرت كأن الارض لم تعد تتسع لفرحتها الكبيرة، لكنها عادت لتفكر بجدية بعد ان تذكرت موقف زوجها من هذا الامر كما انها تذكرت امرا اخر وهي انها لم تسأله عن العروس التي اختارها لكي يقترن بها فسألته متلهفة :
– ولكن مَن المرأة التي اخترتَها ؟
– اظنك تعرفينها ، فهي تسكن في الزقاق المجاور لزقاقنا، انها ابنة الفران.
لم ترتح ام هاشم كثيرا لاختيار ابنها الاصغر وتغيرت ملامح وجهها بعض الشيء لكنها لم ترغب ان تهزم رغبته في الارتباط بتلك الشابة بعدما وجدت متلهفا لها، فواعدته خيرا وحاولت ان تستعلم منه ان كان قد نظر في الامر من جوانبه كافة وادرك ما كان مقبلا عليه من مسؤوليات والتزامات فسألته :
-وماذا عن العمل ؟ ألا تعلم أنه لا بدَّ للمتزوج من عمل يجعله قادرا على ان يصرف على منزله واسرته؟ .
كان وجه الابن هادئا وهو يرد على امه وكأنه قد حسب لكل شيء حسابه قبل ان يقدم على مفاتحتها بهذا الامر فرد عليها :
-لقد فكرت في كل شيء وسأعمل في الجيش ، فهناك يمنحون الفرد مرتبا مجزيا وستكون تلك مدة مؤقتة حتى احصل على عمل افضل .
شعرت ام هاشم بعدم الارتياح بعد ان سمعت من ابنها كلامه الاخير لكنها رضخت لرغبته واصراره وقررت ان تفاتح والده في هذا الموضوع، وبالفعل قامت بذلك في مساء ذلك اليوم فاقتربت من الاب الذي انهى عشاءه بشكل تام ولم يبقَ منه شيء ما جعلها تدرك بانه يشعر بالارتياح وجلست قربه بعد ان غضت نظرها واخبرته بالحديث الذي دار بينها وبين ابنها وهي تحاول ان تؤكد له ان الامر مختلف هذه المرة، فكر الاب الذي علمته تجارب الحياة حتى حولت لحيته الى اللون الرمادي في الامر لبعض الوقت متجنبا الرد المباشر على كلامها، وفي حقيقة الامر فإنه احسن بابنه الذي صار يتخبط تحت وطأة رغبته لكنه لم يرد ان يحرمه منها او ان يكرر نفس جوابه السابق على هذا الموضوع، كما انه فكر في ان هذا الامر قد يكون فرصة مناسبة لتغيير حاله وتصحيح اوضاعه فالتفت الى الام الراجية وقال لها بنبرة من يحاول ان يقنع نفسه بذلك الامر :
-الكثير من الشبان يعملون في الميدان العسكري برغم خطورته في هذه الايام.
أضاءت ملامح الام سرورا بعدما غمرها شيء من الارتياح الممتزج بالدهشة وكأنها توقعت ان لا يختلف جوابه عما كان عليه في المرات السابقة، لكنها لم تلتف الى ما كان يفكر فيه زوجها و ومضت بوجه باسم نحو غرفة ابنها الصغير حتى تخبره بعدم ممانعة والده لهذا الامر.
ومع ان البدلة العسكرية لم تكن تليق كثيرا بجسد سالم القصير نسبيا، كما ان طبيعته التي تقترب من السكون والدعة لم تكن تتناسب كثيرا مع متطلبات العمل في المجال العسكري لكنه استمر في عمله من دون ان يفكر في تركه برغم انه لم يكن سعيدا فيه، لذا بدا واضحا حتى للأطفال في منطقته ان ملامحه اصبحت اكثر تجهما بعدما كانت خاملة خلال الاعوام الماضية، وفضلا على ذلك فقد طرأ على بشرته بعض التغيرات نتيجة لتعرضه المستمر لأشعة الشمس، وكان زواجه الذي تم عقب اتفاق تم بين ابي هاشم وابي احلام الفران هو احد الاسباب الرئيسة التي جعلته يتقبل صعوبات هذا العمل، فبدا سعيدا رغم كل شيء او انه كان يتظاهر بذلك على اقل تقدير، ولم يكن هو الوحيد الذي يتظاهر بالسعادة فأمه هي الاخرى بدت كذلك، خاصة في بداية هذه الزيجة حتى كأنها اصبحت تبدو لمن حولها وكأنه اصغر من سنها الحقيقي مع انها لم تكن مرتاحة للإنسانة التي اختارها ابنها لتكون شريكة حياته ، وبرغم مرور اسابيع كثيرة على زواج سالم بأحلام الشابة غير المتعلمة التي كانت سكنت في نفس الحي الفقير الذي سكنت فيه تلك العائلة الا ان علاقتها باهل زوجها ظلت متوترة وتشوبها الكثير من السلبيات وعدم الوضوح في التعامل، فهي لم تكن تفوت فرصة ما حتى تتهجم عليهم وتفتعل شجارا معهم وتقذع فيه المرأة الكبيرة بأقسى الالفاظ واشنعها متخذة من كونها منحدرة من بيئة ريفية سببا للانتقاص منها، ولم تكن هذه الشجارات هي كالتي تحصل عادة في المنازل التي تكتظ فيها الاسر المختلفة حيث اجتماع اكثر من كنة بالحماة المتزمتة بل كانت شجارات ناجمة عن تهتك الزوجة الشابة التي كانت اخلاقها وتنشئتها تختلف عن اخلاق هذه الاسرة، ومما ساهم في زيادة التوترات بين افراد الاسرة هو غياب زوج احلام لمدد طويلة عن منزله ووجوده شبه الدائم في مناطق العمليات العسكرية حيث لم يكن يبدو على الزوجة الشابة القلق على زوجها بل ان شعورها بالفراغ كان يملأ نفسها فتحاول ان تملأه بالرغبة في امتلاك الاشياء والهيمنة على المنزل من خلال محاولة ادخال بعض الاثاث الحديث الذي كان يباع في السوق الذي يقع في نفس المنطقة التي يسكنون فيها وذلك ما كانت تعارضه ام هاشم بشدة وترى فيه تبذيرا من كنتها فتدخل معها في جدال يحتد ويشتد ولكنه لا يصل الى درجة الشجار بالمعنى المعروف ذلك ان ام هاشم كانت اقرب الى الوداعة والطيبة منها الى الانتقام واللؤم، كما ان تأثيرات نشأتها الريفية ظلت حاضرة في سلوكها اثناء تعاملها مع الناس وعرف عنها انها كانت زاهدة في معظم الاشياء وتبتعد عن وسائل الترفيه الحديثة ما امكنها وتجد نفسها اقرب الى العبادة والدعاء منها الا اللهو والعبث برغم انها لم تفقد انوثتها بشكل كامل حتى تلك المرحلة، فبدت وهي لما تزل في ذروة قوتها واثار الشباب ملتصقة بهيئتها وكأنها قد شاخت قبل اوانها، ومع غياب زوجها العجوز في معظم ساعات النهار وابنها في معظم ايام الاسبوع كانت تجد نفسها وحيدة حتى مع وجود زوجة الابن الطائشة، فتشغل نفسها بالأعمال المنزلية وكأن شيئا لم يتغير عما كان عليه الامر قبل زواج ابنها باستثناء غياب الاخير شبه المستمر عن المنزل ووجود زوجته التي كانت تبقى نائمة حتى ساعات الضحى.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.