علاقة الإمام الخميني «قدس سره» بأهل البيت

إن عشق الإمام الخميني قدس سره لأهل بيت العصمة والطهارة لا يمكن لأحد وصفه، حيث لا يختلف اثنان في أن الذي قلبه وروحه وعقله طيلة الحياة الشريفة التي قضاها في عالم الدنيا إلى أن غادرها بقلب هادئ ومطمئن مسافراً إلى مقرّه الأبدي هو حبّه اللا محدود لأهل البيت عليهم السلام، فكانوا لسان بيانه وأذنه الواعية وعين بصره وبصيرته، وصوت الحق الذي دوّى في أرجاء المعمورة، وقوته التي انتصر بها على أعدائه وأعداء الله تعالى، فهو العاشق لهم إلى حد أنه قدس سره كلما يرفع نداء (يا حسين) تظلّ دموعه تنهمر على خديه بلا اختيار منه، رغم أنه لم يذرف الدمع أثناء تلقيه خبر استشهاد نجله السيد مصطفى رحمه الله،لقد ملأ عشقه لهم عليهم السلام كل وجوده وأبعاد شخصيته الفذة إلى الحدِّ الذي كان يرى دوماً بالقرب منهم…ويقول أحد المقربّين منه: كان تصرف الإمام عند زيارته للمشاهد المشرّفة وأضرحة الأئمة المعصومين عليهم السلام وكأنه كان يرى الإمام المعصوم ناظراً إليه وحاضراً أمام عينيه..وبهذه الروح استمد القائد الكبير للثورة الإسلامية العون من الوجود الشريف للمعصومين عليهم السلام في كل كبيرة وصغيرة بعد الألطاف الإلهية، وهكذا خلال الأحداث الخطيرة كان مرجعه الأول هو المعصوم عليه السلام. يقول أحد معاونيه: «كتب الإمام رسائل إلى علماء المدن، وأمرني أن أذهب إلى محافظات خراسان وسيستان وبلوشستان لأوصل رسائله ونداءه إلى العلماء. عندما وصلت لتوديعه وسلمني الرسائل، قال: قبل أن تقابلوا أي شخص تشرفوا أولاً بزيارة الحرم المطهر لثامن الأئمة علي بن موسى الرضا عليه السلام وقولوا له نقلاً عن لساني: قد استجد أيها السيد أمر عظيم جداً، ومسألة خطيرة، ونحن اعتبرنا تكليفنا أن نثور ونتحرك، فإن كان ذلك مما يرضيك فأيدنا».
لقد كان الإمام قدس سره العارف الحقيقي الواصل إلى كعبة مقصوده، يعلم ما يستوجب المقام الشامخ والمنزلة الرفيعة لأهل الولاية الإلهية آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم من تقديس وتكريم واحترام بالغ يفوق العادات المعروفة والأنماط المألوفة بين سائر الناس، لذلك كان قدس سره إذا مرّ على ذكر اسم أحد المعصومين عليهم السلام أخذته الهيبة حينما يردّده بعزّة وتعظيم كاملين، مع التقدير العالي لأحاديثهم صلوات الله عليهم واتباع مقاصدهم وأفكارهم وعقائدهم وإحياء مناسبات ولادتهم وشهادتهم.
ومما تجدر الإشارة إليه أن كل الأعباء والعناء الذي عاناه الإمام قدس سره واهتمامه بالأمور السياسية وسائر شؤون البلاد والعباد لم يكن ليمنع أو يحول بينه وبين المحافظة والحرص على إحياء وإظهار مظلومية الأئمة عليهم السلام، فنراه في التاسع من شهر محرم يأمر بإقامة مجلس عزاء في باريس بحضور جمع من المراسلين الذين جاءوا لمقابلته قدس سره قبل ساعة من وقت الظهر..إن المنزلة الخاصة لزيارة التربة المطهرة للمعصومين عليهم السلام والشهداء والصديقين في ثقافة الولاية والثورة غير خافية على أحد، وهي مصدر إلهام وتسديد لذوي الارادات الربانية في الجانبين العلمي والعملي. وقد دأب الأنبياء والأولياء العظام وأئمتنا الأبرار خصوصاً على زيارة المراقد المشرّفة أو من بعيد طيلة حياتهم الشريفة..وكان تشرّف الإمام قدس سره بزيارة حرم أمير المؤمنين عليه السلام يحصل وفق آداب خاصة، يجدر بنا الالتفات إليها والاستفادة منها، فقد كان لا يدخل قبل الاستئذان حيث يبدأ بقراءة إذن الدخول بكمال الأدب والوقار والتعظيم والإجلال، فإذا انتهى يدخل الحرم المطهّر من الجهة السفلى للضريح المقدس، مراعياً ومتقيّداً بأن لا يمر من جانب الرأس الشريف لحضرة الأمير عليه السلام.
ويعتبر الإمام قدس سره الأدعية الصادرة من أهل بيت العصمة عليه السلام منطلقاً هاماً للإنسان كي يجني فوائد عظيمة ويركز علاقته بالله تعالى، لذلك تمسك بها وكان للمناجاة الشعبانية مكانة خاصة في كل مفاصل حياته الشريفة. يقول قدس سره: «إن هذه المناجاة في الحقيقة تعد الإنسان وتُهيِئه للقيام، ولعل السبب في التركيز عليها هو هذا لكي يصبح الإنسان على استعداد والتفات ليجني الفوائد العظيمة من الصوم. لقد كان الأئمة عليهم السلام يوضحون كثيراً من المسائل بوساطة الأدعية. أسلوب الدعاء يختلف كثيراً عن الأساليب الأخرى التي كانوا يستعملونها لبيان الأحكام والمسائل الإيمانية والعقيدية، وكل المسائل المرتبطة بمعرفة الله تعالى، كانوا يبينونها في الأدعية وبأسلوبها. من المؤسف أن نقرأ هذه الأدعية ونمر عليها دون أن نتأمل فيها بما تحمله من معاني رقيقة، ودون أن نعرف ماذا يريد الأئمة عليه السلام أن يقولوا».

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.