روحية النص الشعري بين الموسيقا والصوت في ديوان «من رحم الأمنيات» للسورية ملاك العوام

عامر الساعدي

الانفتاح على الأدب العربي من أوسع الابواب والتلاحق بين الشعوب والأمم والتعرف على أدبها دليل الحرص على المزج بينها وبين بعضها، الأدب النسوي، أو اذا صح التعبير الأدب الانثوي الذي أخذ موقعه اليوم بالوسط العربي الأدبي وانفتاحه الكبير جعل المرأة تبدع كثيرا بشتى الأجناس الأدبية ومن هذه الآداب الأدب السوري الذي لا ينكر تاريخه الكبير بهذا المجال وظهور أدبيات اخذنَّ حصتهنَّ بمجال الشعر والقصة والرواية.قد يكون الأدب السوري ذا مراحل متعددة وتواريخ معينة، لكن بما أننا الان ما بعد الألفية فإننا نقرأ للشاعرات السوريات ومن هذا الكم الأدبي الشاعرة السورية (ملاك العوام) التي أتابعها منذ زمن وهي تبدع كل يوم بنوعية الكتابة واخراج النص والطريقة التي تكتب فيها، «ملاك العوام» تكتب بطريقة الحرية في الكتابة والتي أصفها بالطائر الجميل الذي يرفض الأقفاص ليكون حراً، أما العناوين التي توشم بها نصوصها فهي فعلا عتبة تستحق أن نقف عندها، قد تكون العناوين قريبة بالشكل لكنها تختلف بالمضمون حسب محتوى النص الداخلي، أما الثيمة التي وضعت النص بداخلها يمكن القول هي منفردة بها والقلة القليلة من الشاعرات تستخدم هذه الأسلوب بالكتابة.
بما أننا نبحث عن شاعرة جريئة بين هذا الكم من الشاعرات العربيات التي أغلبهنّ يترددنّ عن الكتابة بسبب العادات العربية التي تعدّ ان المرأة حينما تكتب بجراءة كأنها أجرمت، بل قد تحسب على أنها غانية، وزانية مما جعلها مقيدة ، مكبلة وان أرادت الكتابة والتعبير غير مسموح لها، برغم أننا بحاجة إلى أدب حقيقي انثوي اذا صح التعبير.
وأنا اتصفح ديوان من رحم الامنيات للشاعرة، أجد نفسا عميقا في كتابة النص الايحائي الذي يعدّ من أهم الكتابات التي تبتعد عن المحاكاة المباشرة ، أي أنها اعتمدت على ترميز بسيط من حيث التلاعب بالمفردة لتضعها بصورة صحيحة بالنص ليظهر بعدها نصا متكاملا ، هذا حيث أجد نفسا اخر نفس الحسية العميقة التي تمتزج بروح الشعورية بعدما تمتهن الاسلوب الحقيقي في النص لتكون بعدها حصيلة مثمرة.
وأرى من خلال ما تكتب كأنها تبحث عن ميلاد في زحمة العمر الذي نخاف ان يمضي دون حب، أو دونه لا يكون طعم الحياة، لنقول أنها تبحث عن ميلاد جديد، فهل كانت تقصد الحب، الحياة، الشريك لها؟ نعم، ليكن هذا كله فإني اعتقد أنها صائبة بما أرادت أن توصله وتصفه من خلال العناوين والنصوص التي أثمرت لها مجموعة شعرية جميلة، ومن خلال قراءتي للمجموعة الشعرية كنت ابحث عن جواب بنفسي، الشاعرة حينما كتبت اي طقوس كانت تمارس أحيانا الكتابة تحتاج إلى طقوس معينة مثلا بعيدا عن الفكرة التي تأتي دون استئذان للشاعر كي يستغلها، بعد ذلك حسب رؤيته وحسب ما جُمع من أفكار بداخله حيث أنها استعملت الصوت الخفي الايحائي بداخل النص الذي يوحي بإحياء خفي، أو نقول مناداة بإيقاع مخفي، ليكتمل النص لكن لا ننسى الصورة الشعرية التي ولدت من رحم الفكرة، حيث الصورة تعطي افق ابعد عند المتلقي، على ما أظن فإن الشاعرة عمدت ان تستدرج القارئ نحو تلك الحروف التي ربما هي الاقرب.
الحالة الاخرى الحالة النفسية بداخل الشاعر حيث انه واحياناً كثيرة يسترسل بالكتابة على أسس فكرته، أي أنه يكتب لا شعوريا ليقف بعدها عند النهاية متعجبا، مندهشا، فالبلوغ للغاية احياناً كثيرة يجعلنا في مربع مع النص اذن هنا يمكن القول أن النص والناص رفقة نحو منتهى واحد، أو غاية واحدة.
في نص (رحيق الصمت) أجد لغة الصوت في النداء حيث تعطي الدلالة الواضحة لكون كلمة «هات» تعطي المجال لتأويل الإيحائي الأكثر، الدليل الآخر في النص اشرب منها رحيق الصمت، فالشاعرة أرادت استقلال الصوت للنداء وبعدها تعطي دلالة النداء الإيحائية، وهنا الشاعرة جعلت المسافة بوصفها شفاه لتملأ هذه الروح بداخلها من القرب على ما اظن لم تكن تعني في القصد الملامسة بقدر ما تعنيه الوجودية، فالعلاقة بين الصمت والنداء هي اكبر وأعمق، لذا فالربط بين بالنص يعطي دلالة للمتلقي اكبر لوجود بسبب آخر إلا وهو سبب السهل الممتنع بداخل النص.
لكن بالوقت نفسه هناك موسيقا داخلية عذبة، تشتغل اشتغالا جميلا حيث سلاسة النطق، عندما تحدثت عن نص رحيق الصمت لم اكن اعني الا ان اعطي للقارئ نموذجا بسيطا، ويبقى مجرد رأي لا أكثر، أو قد نختلف احيانا لكن يبقى لكل واحد رأيه الخاص.
حينما أبتعد عن القراءة الكلاسيكية فإنني ابتعد عن شخصنة الشاعر واتعامل كمتلقٍ مع النص مهما كان، وأبحث عن ماهية النص أو وحدة الموضوع التي تعني لي الكثير بقدر ما يعنيه الشاعر لي، الجمالية في النص هي نسق مهم خرج من الشاعر لذا من الافضل ان نبحث عن نوعية الثمر الذي خرج من تلك الشجرة وما اقصده الشاعر.
فاذا أردنا الكتابة عن الديوان بأكمله نحتاج الى فكر أوسع لكنني كقارئ ومتلقٍ آخذ بعض المقتطفات التي تعني بما تحدثنا عنه.
هناك بعض العناوين التي تعطي اشارة للإيحاء منها: ماكرة أصابع الشوق، عشق باذخ الوجع، أحبك حد الاشتهاء، فتيل الحرب، صوتي خمرة الروح، أنثى بطعم الجنة، غزوة عشق، وشم على لبيب عظامي، سر نبيذي.
إذن المرأة قديسة حينما تكتب لا تختلف عن الرجل فلها ما له، واحيانا تتفوق في كتاباتها، الشعر قضية مثلما يكون لدى الرجل يكون للمرأة، ولها ما للرجل واقصد هنا حتى بالتعبير عن ما بداخلها بكل صورة واي صورة، اذن رؤية المرأة للحياة لا تختلف عن الرجل فيحق لها أن تكتب، واذكر حينما قال الباحث الاديب العراقي «محمد الربيعي» نسبة إيمان الانسان لفهم ذاته في النص، هي بقدر معرفة نسبة الذات في النص.
وجدت في النصوص رحلة مختلفة ايحاءات بسيطة من نوع آخر ما بين السطور، وكل سطر يحمل موسيقا بإشارة مختلفة ،ولكل اشارة موسيقا بإيقاع مختلف تسمعه بداخل النص، هذا ما جعلني اتوسط النص، ويبق اولا واخيرا هذا رأيي لأقرأ اكثر واعيد القراءة اكثر. نعم، يكفي ان تكون العناوين في هذا الديوان «من رحم الامنيات» صور مشدودة لبعضها البعض، حيث أن الشاعرة ابتعدت عن الرموز والطلاسم التي تقيد القارئ، وهذا ما عملت عليه الشاعرة بالديوان على اظهاره بصورة جميلة دون ارهاق المتلقي البسيط كأنها عمدت ان تجعل جمهورها من البسطاء الذين يتفاعلون مع النص دون تردد، أو التوهان بالأسئلة بين السطور، وانا تعاملت بنفس الاسلوب كمتلقٍ بسيط يشده الحرف والمعنى، والمعنى الداخل لجوف القلب، والسـرعة في فهم المعنى.
وأخيرا فان الشاعرة ارادت ادخال الصوت مع الصور الشعرية كي تصل أقرب وبسرعة، فإن صوت القصيدة و رعشة القلب توأمان يهمسان معا في الأعماق التي لا تريد الصمت، ولا تكف عن مناغاة القصيدة، لهذا فإن الروح التي لا تعانق الحرف والسطر فإنها تتحول إلى لغة صمت على الشفتين.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.