مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي

لطيف عبد سالم

30

أمْرٌ مُسَلَّمٌ بِهِ أَنَّ سارقَ الطفولةِ أو مغتصبِها – مُستبِدَاً كان أو مُفسِدَا، أباً كان أو حاكما، متعلماً كان أو جاهلا، صديقاً كان أو عدوا – اعتاد عَلَى التلذذِ بجعلِ البؤس يتشرب فِي نفوسِ النشء الجديد مِنْ دُونِ أنْ يرفَ لهُ جفن، فالأطفال بحسبِ يحيى السَماوي : « أكثرُ مروءةً وَإنسانيةً وَعزّة نفس وَقناعة وَطهراً وَحتى شرفاً مِنْ بعضِ الكهول الذين أكلوا ومازالوا يأكلون آباءنا وأمهاتنا «. وَضمن هذا المعنى يؤكد السَماوي معنى إنسانية الطفولة بقوله : « لازلت أتذكّر أنَّ الطيبَ أبي رحمه الله، اشترى لي قطعة شكولاته عَلَى شكلِ حمامة، فلم أكلها خوفَ أنْ أخسر الحمامة «.
*
صُـبِّـيـنـي فـي كـأسِـكِ لأشـربَـكِ قُـبـلـةً قُـبـلـة ..
لا تـخـافـي مـن جـنـونـي
فـالـطـفـلُ الـجـائـعُ لا يـأكـلُ دُمـيَـتـه !
*
خُـذيـنـي صـاريـةً لِـشِـراعِـك ..
ومِـرْوَداً لِـمـكـحـلـتِـك ..
ومِـحـراثـاً لِـتـنُّـورك …
أو :
كـونـي حـقـلاً لِـبـذوري
وورقَـةً لـقـلـمـي
وقـوسـاً لِـسـهـمـي
فـإنّ حـاءَ حـقـلـي سـيـبـقـى بـلا مـعـنـى
بـدون بـاءِ بـئـرك !
*
لا عجب مِنْ تفننِ الطغاة وَالمستبدين – الذين انغمسوا فِي شهوةِ السلطة وَجنون العظمة – بأساليبِ الإذلال، فضلاً عَنْ زيادةِ إيغالِهم فِي إيقاعِ الأذى بجموعِ الفقراء عَلَى مرأى وَمسمع القائمين عَلَى المَنظماتِ والمؤسسات الأممية الَّتِي صدعت رؤوس الناس – الَّذين لا حول وَلا قوة لهم – بشعاراتٍ براقة مثل العدالة الاجتماعية وَالحقوق المكفولة وَغيرهما؛ إذ لطالما سعى الطغاة إلى إخضاعِ السواد الأعظم مِن المُجْتَمَع للسيطرةِ الكاملة مِنْ دُونِ معارضة، وَهو الأمر الَّذِي يملي عليهم وجوب المضي بعامةِ الناس إلى حدِ التأرجح فِي الحياةِ ذات اليمين وَذات اليسار حتى بلوغ مَا يشابه « النقلة الجينية « الَّتِي مِنْ شأنِها ترويض العامة عَلَى التكيفِ مَعَ الفقرِ وَالخنوع، فضلاً عَنْ الحرصِ عَلَى استبعادِ محاولة التفكير بالخروجِ مِنْ جلبابِهما فِي ظلِ جعل واقع الحال يستبطن مَا يفضي مِن المحركاتِ إلى استبدالِ مشاعر اليأس وَالإحباط بمشاعرِ البهجة.
*
هم يقتلونَ النخلَ !
إنَّ النخلَ مُتـَّـهَمٌ بـِرَفـضِ الإنحناءِ
وبالتشـبُّـثِ بالجذورِ ..
وباخضرارِ الـسَّـعْـفِ ..
مُـتـَّـهَمٌ بإيـواءِ العصافيرِ التي
لا تـُحْـسِـنُ اسـتـقبالَ :
أعداءِ الطفولـَةِ ..
والطواغيتِ الكبارْ ..
والنخلُ مُـتـَّهمٌ
بتـألـيبِ المياهِ على الطحالبِ
في بحيراتِ الدهاقنةِ الصغارْ
الكافرينَ بعشقِ نخلتنا القرارْ
ولنا عَـنـادُ المستحيلِ بوجهِ جلجلةِ التخاذلْ
ماذا يريدُ المُـتخـَمونَ من الجياعِ ؟
فلم يـعُـدْ في الحقلِ
ما يـُغـري المناجلَ بالحصادِ
النخلُ معنيٌّ بـِـرَدِّ الإعتـبـارِ إلى السَّـنابلْ
أمْ أنَّ حَـرْثـاً بالقنابلْ ..
سيُقيمُ بُسـتاناً جديداً
للثكالى والأراملْ ؟ٌ
لابدَّ للنخلِ المُـحاصَرِ بالفجيعةِ
أنْ يقاتلْ
ذوداً عن العشبِ المُـخـَـضَّـبِ بالدماءِ
وعن أراجيحِ الطفولـةِ
والبلابلْ
*
يُمكنُ الجزم بأنَّ موتَ « الحب « بمعناه الإنساني النبيل فِي قلوبِ ولاة الأمر، يُعَدّ الباعث الحقيقي لتسلطِهم عَلَى الشعوب، وَالإيغال فِي دروبِ الظلمِ وَالاستبداد وَالوحشية وَغيرها مِنْ أشكالِ التعسف الَّتِي تمارسها الكثير مِن الأنظمةِ الاستعبادية، فلا غرابة فِي أنْ تكون صرخات الفقراء وَآهاتهم مثاراً لضحكِ الطغاة بنشوةٍ وَجنون. وَليسَ خافياً أنَّ الشعورَ بتشبعِ نفوس الراغبين فِي التسلطِ عَلَى رقابِ الناس بصفاتِ البغضاء وَالحقد وغيرهما مِن المساوئ، وجدت لها مستقراً فِي الكثيرِ مِنْ الإنجازاتِ الإبداعية للأدباءِ وَالكتاب وَالمفكرين؛ إذ طالما شغلت المبدعين الَّذين عمدوا لاتخاذها رموزاً مِنْ أجلِ التعبير عَنْ المعاني الَّتِي يريدون الخوض فِيها عَلِى طولِ التأريخ الإنساني، وَلَعلَّ مِنْ بَيْنَ تلك الموروثات فِي هَذَا الإطار مقولة الشاعر وَالكاتب وَالناقد الأدبي وَالمترجم وَالفيلسوف فرناندو بيسوا ( 1888 – 1935 ) الَّذِي يُعَدُّ مِنْ أهمِ الشخصيات الأدبية فِي القرنِ العشرين، فضلاً عَنْ كونِه أحد أعظم شعراء اللغة البرتغالية، وَالَّتِي يقول فِيها : « نعذّبُ أخوتنا من البشرِ ببغضنا، بحقدنا، بخبثنا، ثمَّ نقولُ بعدَ ذلك: العالمُ سيّئ ! «.
*
الـثـيـابُ الـقـصـيـرةُ
قـد تـخـفـي تـحـتـهـا سـواطـيـرَ طـويـلـة
قـد لا تـكـونُ الـدمـوعُ
دلـيـلَ تـهـجُّـدٍ
وإثـبـاتِ بـراءة ..
فـأخـوة يـوسـفَ
جـاؤوا أبـاهم مُـنـتـحـبـيـنَ
وعـيـونـهـم
تـزخُّ دمـوعـا
*
لا نبعد عَنْ الحقيقةِ إذا مَا قلنا إنَّ الأيمانَ بحريةِ الإنسان وَالتيقن مِنْ حتميةِ الدفاع عَنْ قضاياه تُعَدّ بوصفِها العوامل الرئيسة الَّتِي دفعت طبيباً فِي ريعانِ الشباب مثل « تشي جيفارا « الَّذِي يُعَدُّ مِنْ ألمعِ قادة أميركا اللاتينية الثوريين، وجعلته يهجر سُبُل العَيْش الرغيد وَالهني فِي أوساطِ بحبوحة السلطة وَالنفوذ؛ إذ لَمْ تجذبه رفاهية الحياة وَأضواؤها، وَلَمْ تستهوِه مخملية فضاءات وزارة الصِناعة الكوبية والبنك الوطني اللذين جعلاه القيصر « الافتراضي « للاقتصاد الكوبي، فكان أنْ انغمسَ بحركةِ المقاومة فِي الكونغو ثم أحراشِ بوليفيا؛ إذ امتازت حياته بطابعِ النضال وَالكفاح المرير وَالانحياز إلى الفقراءِ وَالمعدمين وَالكادحين فِي تلك القارة، مَعَ العرضِ أَنَّه ينحدر مِنْ أبوين يعودان إلى أصولٍ إيرلنديّة وَإسبانية وَمولود فِي الارجنتين. وَمِنْ المؤكّـدِ أنَّ المواقفَ الخالدة الَّتِي دافع بها جيفارا وغيره مِنْ المناضلين – سياسيين وكتاباً وفنانين ومثقفين ومفكرين وغيرهم – عَنْ نبلِ القيم الإنسانية، تعبر فِي واقعِها الموضوعي عَنْ فضائلَ وَمكرماتٍ وَأعمال بطولية تركت علامات كبرى فِي التاريخِ الإنساني بوصفِها بصمة خالدة فِي مسارِ الدفاع عَنْ الشعوبِ المقهورة فِي ما تباين مِنْ أرجاءِ المعمورة، مَعَ العرضِ أَنَّ عجلةَ الاستبداد والتسلط مَا تَزال تعمل وَدائـرتـهـا أخـذةٌ فِي الاتساعِ بوحشية، ما يعني إلزام مَنْ يتصدى للطغاةِ استحضارَ المحبة الإنسانية وَمَا يتمحور حولها مِنْ قيمٍ نبيلة، بوصفِها أساس المواجهة. ويحضرني فِي هَذَا الإطار بوحٌ رائعٌ للشاعرِ التركي ناظم حكمت ( 1902 – 1963 ) الَّذِي وِلد فِي كنفِ أسرةٍ ثرية وَمتنفذة، إلا إنَّه عارض الإقطاعية التركية، وَأصبح شاعر البسطاء وَالمعوزين وَأصحاب المهن البسيطة، وَالَّذِي تأثر بشعرِه الكثير مِن الشعراءِ العراقيين مثل عبد الوهاب البياتي وَبلند الحيدري، حيث يقول حكمت :
يا طفلتي يا ذات العيون الذهبية
كنت سأشتري لك البنفسج هذا الصباح
لكن الرفاق كانوا جياعا
فاشتريت لهم خبزا
وكتبت لك قصيدة حبّ.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.