واشنطن والاتفاق النووي.. هل يهمس ترامب بأذن ماكرون ؟

أطرافٌ كثيرة تنتظر قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتعلق بالاتفاق النووي مع ايران. وفيما تبدي الأطراف الأوروبية تمسكها به مع تصعيد في الملف الصاروخي، تعلن روسيا موقفاً موحداً مع الصين حول أهمية الاتفاق. في وقت يطلق المسؤولون الايرانيون تهديدات وتحذيرات متتالية من قيام واشنطن بالانسحاب من الاتفاق، كان آخرها موقف الرئيس الايراني حسن روحاني من أن أي انسحاب أمريكي سيكون له عواقب ضخمة على واشنطن.
وما بين تهديدات واشنطن بالانسحاب من الاتفاق ما لم يُعدّل، وتمسّك ايران فيه مع تهديدات مقابلة بخطوات كبيرة في حال الانسحاب، تسعى أوروبا للعب دور الوسيط، عبرت عنه كل من فرنسا والمانيا على لسان كبار مسؤوليها من أن الرئيس الفرنسي (ماكرون) والمستشارة الالمانية (ميركل) سيمارسان ضغوطا على الرئيس الاميركي، فيما أعرب ماكرون عن انزعاجه من البرنامج الصاروخي الايراني والذي وصفه بالمقلق.
ومهما يكن من أمر، فإن السؤال الذي يشغل بال الكثيرين هو: هل سيعلن الرئيس ترامب عن انسحابه من الاتفاق؟ سنسعى لرسم تصور عن الاحتمالات المتعلقة بهذا السؤال من خلال النقاط التالية:
1. في الجانب الأميركي: ليس من السهل من ناحية القانون الدولي، قيام ترامب بتبرير الانسحاب من اتفاقية متعددة الأطراف، ولا سيما مع التقارير الايجابية من قبل الجهات المراقبة (وكالة الطاقة الذرية) والتي أكدت على التزام ايران ببنود الاتفاق.
وبالتالي فان خطوة أحادية الجانب ستنعكس سلباً على أية مفاوضات مستقبلية قد تجريها واشنطن مع أي طرف. وربما يمكن الذهاب أبعد من ذلك والحديث عن عدم جدوى التفاوض مع واشنطن حتى بموضوع الاتفاق النووي نفسه مع سقوط المصداقية وامكانية الانقلاب مع كل ادارة امريكية جديدة تصل الى البيت الأبيض.
ـ من الواضح أن ترامب نفسه يراهن، في حال الانسحاب، على استمرار الأطراف الأوروبية فيه. اذ يبدو أن الاستمرار الاوروبي فيه وعدم الانسحاب منه «سيكبل يدي ايران» ويدفعها الى استمرار التعاون مع الوكالة الدولية وعدم الغاء الاتفاق، في وقت تظهر اليد الأميركية طليقة في فرض المزيد من العقوبات. والواقع أن الكثير من العقوبات التي لم ترفعها واشنطن أصلاً، فضلاً عن العقوبات المفروضة حديثاً، قد عطلت المفاعيل «الايجابية» للاتفاق حتى من الجانب الاوروبي. فأوروبا التي رفعت العقوبات رسمياً، تحجم مؤسساتها الخاصة، لا سيما المصارف والمؤسسات الكبرى عن التعامل مع ايران خوفا من العقوبات الأمريكية.
ـ إن فرط عقد الاتفاق كلياً سوف يدفع بالمفاوضات الجديدة (ان حصلت) الى نقطة البداية، وهذا بالضبط ما لا ترغب به واشنطن التي تريد من المفاوضات الجديدة أن تنطلق من حيث انتهى اليه الاتفاق، اذ أن المطلوب أمريكياً ليس اعادة النظر بالاتفاق كلياً، وانما تعليق التنفيذ (رفع العقوبات) وضم الملف الصاروخي الى التفاوض وبالتالي الى الاتفاق نفسه. وبناء على ما تقدم، فمن المستبعد أن يعلن ترامب انسحابه من الاتفاق ما لم يضمن نقطتين: الأولى عدم انهيار الاتفاق كليا، والثانية استمرار اوروبا بلعب دور المكبل لليد الايرانية طالما أن العقوبات الاميركية كافية للجم الشركات الاوروبية وغير الاوروبية عن الاقدام على استثمارات كبيرة في ايران.
2. في الجانب الايراني:
ـ تدرك ايران تماماً أن الانسحاب الاميركي من الاتفاق وبالتالي تصعيد العقوبات ضدها سيجعل من بقاء الاوروبي غير ذي جدوى طالما ان الشركات الاوروبية محجمة عن الاستثمار مخافة أن يطالها سيف العقوبات.
ـ تدرك ايران أن الموقف الروسي والصيني موقف مريح حتى مع فرض انهيار الاتفاق، لأن العقوبات التي كانت روسيا والصين تلتزمان بها هي تلك المفروضة وفق قرارات مجلس الامن، وهذه القرارات قد انتهت ويصعب تصور عودتها مجدداً في ظل وجود الفيتو، فيما لا تهتم روسيا والصين بالعقوبات ذات الطابع الأحادي.
ـ وبمعزل عن أوراق الضغط التي تمسك بها ايران، سواء ما يتعلق بعقوبات مضادة، أو في وقف التعاون مع الوكالة الدولية وربما تنشيط برنامجها النووي باسرع مما كان عليه، فان ايران تملك ورقة قوية أخرى تتعلق بالتلويح بأن انهيار الاتفاق سيعني العودة الى نقطة الصفر وليس الى النقطة التي انتهى اليها الاتفاق المبرم.
ـ تملك ايران ورقة الطعن بجدوى أصل التفاوض مع الاميركي، طالما أن الاتفاقات يمكن تمزيقها عند مجيء ادارة جديدة، بل ربما في عمر نفس الادارة. إن الانسحاب الأميركي سيعني، بالنسبة لايران، أن التفاوض لا جدوى منه ولا ضامن له. وبالطبع لا يمكن للاوروبي أن يلعب دور الضامن. بالمحصلة، فان الاتفاق النووي يبدو حاجة دولية، حتى للادارة الاميركية، بشكل أو بآخر، في ظل عدم قدرة الأطراف على تحصيل ضمانات تمنع انهياره دون أن يحقق الانهيار المكاسب المرجوة لكل طرف.
ولا نبالغ إن قلنا أن الطرف الايراني، لعله، سيكون الطرف الأقل تضرراً من انهيار الاتفاق. من هنا، فمن المرجح أن يقوم الرئيس الاميركي بالهمس في أذن الرئيس الفرنسي بأن يمارس الأخير الضغط عليه من أجل تمديد الاستمرار بالاتفاق، فيما تستمر واشنطن بممارسة المزيد من العقوبات. الا اذا قرر الرئيس الاميركي تصعيد جنونه الى أعلى درجاته.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.