من عادات شقاوات بغداد

طارق حرب

استمر دور الشقاوات في بغداد حتى نهاية ستينات القرن العشرين، على ان بدايات هذا اللقب تعود الى العهد العباسي حيث كان ظهورهم لاول مرة، بعد وفاة الخليفة الامين وقتله من جيش أخيه المأمون، ولم يمض على بناء بغداد نصف قرن. وكان الاسم الذي يطلق عليهم بالشطار والعيارين ولقد كانت مدة الحكم الملكي المدة الذهبية للشقاوات في بغداد، لا بل حتى ظهرت في بغداد شقاوات من النساء منهن «فطومة أُم خنجر» التي كانت تعلق الخنجر في نطاقها لتهدد به من يعترض طريقها ومن هن «خديجة بدي» التي طعنت احدهم بسكين في ظهرها، وثالثة، وهي «فوزية چيچان». ولقد ساد في عالم شقاوات بغداد في تلك المدة ان الشقاوه لكي يكون شقاوه لا بد ان يقتل شقاوه أي ان شرط الحصول على لقب الشقاوه في بغداد هو ان يتولى الشخص قتل أحد الشقاوات لكي يفوز بلقب شقاوه. صحيح ان هنالك شروطا اخرى للشقاوه كالشباب والقوة والجسم والعضلات والصوت العالي لكن أهم هذه الشروط، هو قيام من يروم أن يناديه الناس بالشقاوه بقتل شقاوه اخر وهذا القتل قد يكون علنا جهارا كما حصل بالنسبة للشقاوه جواد (الأجلك) الذي قتل الشقاوه «موسى أبو طبره» والشقاوه «ابراهيم الاسود» الذي قتله الشقاوه «حسن الشيخلي». وكان قسم من الشقاوات تم قتلهم ولا يعرف الذي قتلهم وان كان القتل يندرج تحت مبدأ ان الشقاوه لا يكون شقاوه الا اذا قتل شقاوه آخر ومن هذا النوع الشقاوه «عبد الامير العجمي» الذي قتل في الكرخ ولم يعرف من قتله، والشقاوه «ابن شاهين الفيلي» الذي قتل في الرصافة و»كزكه القيلي» الذي قتل ضرباً بالقامات تشفياً وانتقاما منه وفي جميع الاحوال ان قتل شقي أصبح قانونا يعمل به الشقاوات واصبح عرفا وعادة لدى أهل بغداد.
أما المثل الاول لهذا فهو قتل الشقاوه «موسى طبره» من الشقاوه «جواد الاجلك» ذلك ان «موسى» من شقاوات بغداد وكان وسيماً ورياضيا مصارعاً ويتبعه حين يمشي عدد من الشقاوات الذين يبغون الشجاعة و( المرجله) في اللهجة البغدادية، ويشتهرون بأنهم من جماعة «موسى طبره» ومنطقة نفوذه في الرصافة من محلة الفضل شمالا حتى محلة باب الشيخ جنوبا، وبسبب الخلاف بين طبره وأحد أصحاب خيول بغداد أدى هذا الخلاف الى مقتل «موسى طبره» على يد الشقاوه «جواد الاجلك» عندما كانا يتعاطيان الشراب فى أحد البارات في محلة المربعة في رصافة بغداد، اذ أفتعل «جواد» مشاجرة مع «طبره» فطعنه بالسكين في رقبته طعنة قاتلة وحزَ رأسه. وكان لهذا القتل وقع سيئ لان القتيل ابن عائلة بغدادية معروفة وحكم على القاتل بالسجن بعد اشتهاره كشقاوة بغداد الاول. وحيث تم شموله بأكثر من عفو بتخفيض مدة محكوميته فأنه خرج من السجن، ولكن ابن القتيل ما زال يبحث عمن قتل والده فلقد أعد العدة لقتل «جواد» قاتل والده وحيث قد اعتاد الشقاوه «الأجلگ» الجلوس في مقهى «حسن عجمي» في شارع الرشيد بالقرب من شارع المتنبي، فان ابن القتيل خبأ المسدس ووقف في الجهة الثانية لشارع الرشيد وكأن «جواد» يعلم انه سيقتل ارسل من سأل الطفل عن سبب وقوفه فاجابه انه ينتظر والده وعندما خرج جواد من المقهى اخرج مسدسه وأجهز على «جواد» فقتله وسلم نفسه الى الشرطة بعد ان صاح بأعلى صوته انه أنهى مهمته وانه أرسل «الاجلك» اليه ليأخذ ثأره منه اي لينتقم منه في الاخرة والعجيب ان هذا لم يدخل عالم الشقاوات بل أحترف التجارة وأصبح تاجرا معروفا من تجار بغداد.
والمثل الثاني الشقاوه الذي تم قتله ليفوز قاتله بلقب شقاوه هو الشقاوه «ابراهيم الاسود» والذي كانت الفنادق ومحال المشروبات والملاهي مكان عمله، وامتهن الابتزاز أو ما يسمى بالخاوه والاعتداء على الناس كيفما أتفق، وكانت نهايته على يد شقاوه مبتدئ هو «حسن الشيخلي» اذ صادف ان كان الاسود جالسا في احدى مقاهي أبي نواس، وشاهد «حسن» هذا فأرسل اليه وأهانه على ملأ من الجالسين بالمقهى فما كان من «حسن» الا ان اخرج سكينا وطعن «الاسود» في بطنه وكان صاحب بطن كبيرة (كرش)، وأنفتحت البطن وخرجت الامعاء اذ ان السكين المستخدمة في القتل من الانواع الحادة جداً (أم الياي)، فقفز «الاسود» الى نهر دجلة وتوفي في النهر، وتمكن عمال المقهى من اخراجه من النهر ذلك ان قفزته كبيرة الى النهر بدون شعور منه وبسبب أصابته الشديدة. وكانت امعاؤه متدلية بالنهر خارج جسمه وبعد هذا الحادث اصبح القاتل «حسن الشيخلي» شقاوة تطبيقا لقانون ان الشقاوه هو من يقتل شقاوه.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.