السيف والفتوى دراسة توثيقية لجرائم الإبادة الجماعية في العراق من العصر الأموي حتى الاحتلال العثماني

د. حيدر فرحان الصبيحاوي

39

تنشر (المراقب العراقي) كتـــاب (السيف والفتــوى) لـ د. حيدر فرحان الصبيحاوي، الصادر عن مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية. ويوثق الكتاب ويؤرخ لجرائم الابادة الجماعية التي تعرض لها العراق من العصر الاموي وحتى العصر العثماني.وأشهر سجون الدولة العباسية هو سجن «المطبق» في بغداد، الذي كان لأسمه رهبة في نفوس الناس، وكان محكماً ويقع هذا السجن في سكة سميت بسكة المطبق قرب باب البصرة، ذو أبواب وثيقة من طرفيها، وهو أول السجون المركزية التي بنيت في بغداد إذ رافق تأسيسه مع تأسيس مدينة بغداد زمن المنصور يسجن فيه الخصوم السياسيين المعارضين للسلطة الجائرة ومن يراد التخلص منه، جنباً إلى جنب مع المجرمين الخطرين، ويعدّ المطبق من أكبر أماكن تجمع الرأي العام في العصر العباسي لكثرة من فيه من السجناء الذي ضاق بهم في بعض المدد رغم سعته، وفي المطبق يقضي السجين مدة طويلة إن لم يقتل ويحكم عليه بالأشغال الشاقة، وممن سجن في المطبق الوزير يعقوب بن داود من المهدي العباسي وأخرج في زمن هارون، وكان سبب سجنه اتهامه بحب آل البيت، ويذكر عنه الخطيب البغدادي:(حبست في المطبق وأتخذت لي بئراً وبنيت عليه قبة فمكثت فيها خمس عشرة حجة وكان يدلى إلي في كل يوم رغيف وكوز من الماء، فكنت كذلك أطول مدة لا أعرف عدد الأيام وأحبست بصري وطال شعري) ، ونقل إلى هذا السجن بعض من بقى من العلويين من أقارب عبد الله بن الحسن العلوي من هاشمية الكوفة إلى سجن المطبق بعد هجوم الراوندية على سجن الهاشمية.
ومن السجون المهمة في بغداد ما يعرف بالسجن الجديد الذي كان إقطاعاً لعبد الله بن مالك الخزاعي ثم اتخذه الأمين قصراً له، ثم صار لأم جعفر أيام الأمين وسمته بالقرار، ولم تذكر المصادر زمن بنائه ويعتقد بأنه كان بقرب قصر الخلد، وكان لهذا السجن سورا كبير، تنصب عليه رؤوس المعارضين للسلطة العباسية، وقد هدم السور بأمر معز الدولة البويهي سنة (355ه/961م)، ويبدو بأن بناءه كان في زمن العباسيين الأوائل واستمر العمل به خلال المدة البويهية.
من السجون العباسية الأخرى هو سجن دير القائم يقع على شاطئ نهر الفرات الغربي وسمي بالقائم لأن له مرقباً عالياً ومن بين الذين سجنوا فيه يحيى بن خالد البرمكي وأبنه الفضل وفيه ماتوا، ويبدو أن هذا السجن من انجازات هارون أو ممن سبقه كون البرامكة قد سجنوا في حكم هارون.
وتدلنا رحلة الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام في سجون هارون على كثرة تلك السجون وانتشارها في المدن الكبرى من العراق، فكان في البصرة سجن لعيسى بن جعفر المنصور، وكان على البصرة في حكم هارون وقد سجن فيه الإمام لمدة سنة كاملة، ثم نقله عند الفضل بن الربيع في بغداد فبقي عنده مدة طويلة، بعدها نقله إلى الفضل بن يحيى، ثم نقل إلى سجن السندي بن شاهيك فأرهقه بالسلاسل والقيود، وضيق عليه حتى دس له السم بعد ثلاثة أيام من سجنه عند السندي وأستشهد في (25رجب 183ه/799م).
كما كان هناك سجناً آخر يعرف بسجن باب الشام، ويبدو أنه يقع عند باب الشام في سور مدينة بغداد المدورة وأتخذ اسمه من ذلك، لم تذكر المصادر التاريخية من الذي بنى السجن ويغلب الظن أنه شيد قبل سنة (235ه/849م) إذ يذكر أبن الجوزي أنه في هذه السنة احترق مئة وثلاثون رجلاً في هذا السجن وقد أغلق السجن وتوقف العمل به أيام المهتدي العباسي سنة (255ه/868م) بسبب مهاجمة جماعة من الجند الشاكرية العامة وكسروا أبوابه وأخرجوا من فيه، وأستمر باب السجن مفتوحاً حتى صباح اليوم التالي، فأغلق السجن بعد ذلك بالآجر والطين، ويبدو أن السجن كان مليئاً بالنزلاء بما فيهم أصحاب الرأي السياسي المعارض.
وفي زمن المعتصم بنى سجن في بستان موسى ببغداد وهو حبس كبير كانت له شهرة كالمطبق، سماه اليعقوبي بالحبس الكبير لا يسجن فيه إلا من عظم أمره من الخصوم السياسيين، وقد وصفه التنوخي بأنه كالبئر العظيم قد حفرت إلى الماء أو قريب منه ثم بنى فوقه بناءاً بهيأة منارة مجوفة من الداخل وله مدرج حفر في مواضع التدريج مكان ضيق يوضع فيه السجين ويكون مكبوباً على وجهه لا يمكنه أن يجلس فيه ولا يمد رجليه ومن الأشخاص الذين سجنوا فيه محمد بن القاسم بن علي العلوي وقد سجن في حجرة ضيقة وكانت من الضيق بحيث قدر إبعادها ثلاثة أذرع في ذراعين وقد عانى بسبب ضيق المكان ورطوبته فأشرف على الهلاك بسبب هذه الظروف.
وفي مدينة سامراء بنى المعتصم للأفشين في سنة (226 ه/851 م) سجناً خاصاً في قصره المعروف بالجوسق الخاقاني وكان هذا السجن مرتفعاً وجعل في وسطه مجلس له والحراس عليه.
في سنة (231ه/845م)، أمر الواثق أن يتتبع من وسم بصحبة أحمد بن نصر ممن ذكر أنه كان متشايعاً له:(فوضعوا في الحبوس، ثم جعل نيفاً وعشرين رجلاً وسموا في حبوس الظلمة ومنعوا من الصدقة التي يعطاها أهل السجون ، ومنعوا من الزوار، وثقلوا بالحديد….فجعلوا في محابس بغداد). ومن خلال النص يظهر لدينا بأن سجون الواثق كانت تحت الأرض والتي سميت بالمطامير وهي حفرة تحت الأرض.
ويعد المعتضد العباسي (279-289ه/892-902م) أول من بنى المطامير داخل قصور الخلافة، إذ تذكر المصادر التاريخية بأن المعتضد قد بنى سجناً من هذا النوع قرب قصر دار الخلافة، وقد وضع تصاميم هذه المطامير ودعا في بنائها الدقة والأحكام ثم أمر البنائين بتنفيذ ذلك، حيث رسمها للصناع فبنيت بناءاً لم ير مثله على غاية من الحصانة والأحكام والضيق وجعل على هذه السجون شخصاً يدعى نجاح الحرمي الذي يتولى تعذيب السجناء فيها الذي يتميز بالغلظة وخشونة الطباع وقلة الرحمة والشفقة.
سار القاهـــــــر العباسي (319-322ه/931-934م) في بناء سجون تحت الأرض «المطامير»، إذ يذكر السيوطي في أحداث سنة (322ه/934م) عند تحرك الجند عليه فيقول:(تحرك الجند عليه لأن أبن مقلة في اختفائه كان يوحشهم منه ، ويقول لهم: إنه بنى لكم المطامير ليحبسكم، وغير ذلك، فأجمعوا على الفتك به ، فدخلوا عليه بالسيوف ، فهرب…). ومن هذه الرواية يتبين لنا بأن القاهر العباسي قام بإنشاء سجون تحت الأرض، إضافة إلى السجون الأخرى، وبالتأكيد فإن هذه السجون مخصصة للأشخاص الذين يخافهم القاهر، ويريد اخفاءهم عن أعين الناس لتأثيرهم في الحياة الدينية أو السياسية.
وكانت السجون زاهرة في زمن المتقي بالله (329-333ه/940-944م)، ونستشف ذلك مما ذكره الأنطاكي بقوله:(وسار المتقي وناصر الدولة بن حمدان إلى بغداد،…، فبلغ ذلك البريدي( )، فخرج عن بغداد….، ففتحت السجون).
فضلاً عن ذلك، فقد ظهرت بشكل كبير السجون الخاصة منذ المدة البويهية في أواخر الحكم العباسي، وقد اتخذت السجون الخاصة مكاناً لسجن الخواص من أبناء الطبقة الحاكمة وكبار رجال الدولة من الوزراء والأمراء والقادة وقادة الحركات المناوئة للسلطة، والهدف منها زيادة المتابعة على المسجونين ومعرفة كل من يدخل هذه السجون، وكذلك لغرض التشديد والتضييق عليهم.
بطبيعة الحال فإن المغول التتر والعثمانيين على الرغم من قلة المصادر أو انعدامها التي تتحدث عن شكل السجون فيهما، إلا أن من البديهي هو استغلال السجون في العصور السابقة لذات الغرض فضلاً عن اتخاذ بعض الدور والقصور كسجون للخاصة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.