رواية «وردي» .. رحلة في عوالم أحمد العتبي الوردية

براء البياتي

«الهي من أنا؟ ومع من أكون؟
وإلى متى تغرورق عيناي بدموعِ من الدم؟
عندما يطردُني الآخرون, إليكَ أتوجه.
وإذا طردتني.. فإلى من أتجه؟»
بابا طاهر الهمداني ـ الرُباعيات اللوريَّة
انتهيت من رواية وردي الصادرة عن دار الرافدين- بيروت- 2018 والتي شهد معرض بغداد الدولي للكتاب انطلاقتها ومبيعات جيدة من طبعتها الأولى كما أعلن مدير الدار المذكورة الأستاذ محمد هادي. وهي رواية واقعية ابتداءاً تنقل حكايات تقبع خلف أبواب موصدة بين أزقة بغداد. ما بين تلك المناطق الراقية والاحياء الشعبية لبغداد لتروي لنا قصصاً عن الحرية، والحب، والإدمان، والدين، والاسرة، والاوضاع الاقتصادية لأفراد مختارين بعناية من فئات المجتمع العراقي.
كما ترسم صوراً لنواتج الحروب والانسياق خلف الرغبات الفردية والجماعية ونزوات النفس الإنسانية ولجوئها الى الشرور. افتتح العتبي روايته بعتَبة الاقتباس الأول من كتاب جوناثان سي سميث: العلم الزائف وادعاء الخوارق، يقول فيه:
«خلطُ الواقَع بالخيال:
لغة اصطِلاحيَّة فارغة، وهذيانٌ تقني، وخيالٌ علمي»
وهكذا يكون قد وضعنا في خانة مزج الواقع بالعجائبية والغرائبية باستخدام أنساق الفن الروائي المتعددة.
رواية وردي، هي كأمواج بحر لجّي هائج يصارع الأبطال أمواجه للتشبث… لكن لا سبيل للفرار.. فلا أحد يعرف أسرار تلك البحار، وفي ذلك نجد ولاء أحد الأبطال -على سبيل المثال- يقول: «سأبدأ بسرد قصتي بالتفصيل المُمل لعلها تنالُ إعجابَ قارئِها فأنال مُبتغاي بحصوله على المنفعة المتوخاةِ منها، على أنني لم أكتب ما أكتبه لأباهي به, فالكثيرُ من أحداث حياتي ليست محلاً للفخر, و سأكتبها كما هي بكل تجرُّد دون تحريف أو تعديل» ص 8.
وهكذا فقد اشتمل المتن السردي للرواية الكثير من اسرار شخصياتها الرئيسة منها والثانوية، فكانت في أغلبها شهادات على مشاكل وأزمات وصراعات جيل بكامله.
وردي، كم هو مغرٍ هذا اللون! لكنه كالأفعى تتلوى وتتلون لتظهر كل مرة بشكل وشخصية جديدة بين الأخيار والأشرار منهم وبين بؤس عميق يصيب الجميع دواؤه وردي. في أحد الكوابيس التي رسمها العتبي في الرواية بشكل جيد، يرِد على لسان رؤى أحد بطلات الرواية: «…ثم ابتعدَ عني فاغراً فاهُ عن خفافيش سوداء خرجت منه، وغيوم سوداء تكونت إثر تشقق قطع من منشفته.. أزهاري تحولت رماداً، واتشحت السماءُ بالسواد.. كل الطيور تحولت غرباناً قبيحة، تراقصت مجنونة، وكل المخلوقات حولي تترقب موتي» ص 154.
في الرواية أفاعٍ تغرس أنيابها وتبث السم، وهي كالعدوى تنتقل بين أبطال الرواية، وهي الادمان.. إدمان الحب، إدمان اللذات.. إدمان المخدرات وإدمان الذات، وفي مثل ذلك الضياع والإدمان والجنون نجد أحد الأصوات المتعددة: «سولاف» وهي تقول: «جنونٌ مطبق أصابني في مقتل، عندما أخلد إلى فراشي ليلاً وأستذكرُ ما فعلتُه في يومي أبدأ بالبُكاء على نفسي وعلى ما أصبحتُه، ولكني كنت في بعض المرات أسرحُ شاردة الذهن متفكرة قليلاً لتكون نتيجة تفكيري الفخر بما فعلت.. أنا أقرُّ بالتناقُض في سلوكي ولكني لا أعلم سبباً له» ص166.
ومن المميزات الأخرى لرواية وردي:
1. لغتها السردية واسلوب الحوار السلس المكون لمتنها الروائي.
2. قصصها المتداخلة مع بعضها.
3. تبئير الحدث وفق تقنيات تركيز الأطر الروائية فيها.
4. النهايات الصادمة لأبطال تلك القصص التي دخلت ذلك العالم المسمى بالوردي.
الذي قد يكون مُغيبا عن الكثيرين.
وفي هذه النقطة الأخيرة يمكننا تقديم مثال «حسن سامي» أحد الشخصيات الثانوية الذي كان انتحاره سبباً في كشف الكثير من الأسرار والأحداث: «حسن سامي توفي أمس منتصف الليل، كان مخموراً لدرجة الهذيان و كيل الشتائم بأعلى صوته من على سطح المنزل، علمتُ ممن شاهدوا بعض هذيانِه وجنونه قبلَ أن ينهي حياته أنه كان يظن نفسهُ يخاطب الآلاف، يُخبرهم أن ما من جدوى للحياة البائسة، يُعْلِمهم أن وهج النور قد قارب الخفوت، ويطلب منهم عدم إنجاب المزيد من الأطفال! «.كنت طوال مدة قراءتي للرواية -بصفتي قارئة لا بصفتي ناقدة او صاحبة دار للنشر- في رحلة شيقة…. تفاعلت مع لإناث الرواية، حزني وعزائي الأكبر لهن وأنا أراهن في لحظات الضعف كيف يقعن تحت تأثير ذلك العالم الوردي الغريب والغرائبي والعجائبي المتصف بالجنون.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.