الشاعر السوري مصطفى عكرمة: الثقافة العربية ممزقة.. والمستقبل الأدبي واعد

المراقب العراقي/ جمال بوزيان

ضيْف اليومَ جـمَع بيْن الشِّعر والـمَسرح؛ شاعر فحْل بامتياز؛ مِن طِينة الكِبار؛ عاشقٌ دمشقَ بِرفقٍ؛ وبِصِدقٍ استحَى منَ الكلام عن موطنه الجريح «سوريّة»، لا يزال مَهوسًا بقضايا الأُمَّة؛ لا يزال مهمومًا بفلسطين «القضيّة المحوريّة»… ذو رصيد ثقافيّ ثريّ؛ وحِسّ شِعريّ بهيّ؛ له مُعجَم معرفيّ ولسانيّ كالنّور؛ بليغ لسانه؛ جميل مُحيَّاه؛ بِحقٍّ يَصدُق فيه لقب «شاعر الفضيلة» فهو شاعر يَحمِل رسائل نبيلة.* مَرحبًا بالأستاذ مُصطفَى عِكرمة.
ـ أرحب بكَ غاية الترحيب، أشكركَ خالص الشكر.
* حدِّثنا عن مرحلتي طفولتكَ وشبابكَ؟
ـ وُلدتُ بقرية «بابنّا» من منطقة الحفة محافظة اللاذقية عام 1943 م، سُميتُ باسم ولد جدي الحاج مصطفى الذي حج بيت الله الحرام أواسط القرن الثامن عشر سيرا على قدميه، وقبضه الله إليه ساجدا.
توفيتْ والدتي، وأنا وحيدها، وعمري دون السنتين، دخلتُ كتّاب القرية صغيرا، ثم انتقل أبي إلى الحفة تاجرا، ودخلتُ الكتّاب حتى دخلتُ المدرسة الابتدائية، أذكر أني كنتُ متفوقا فيها، ونلتُ الابتدائية لأدخل الإعدادية الأهلية لأنال المتوسطة وأنتقل إلى الثانوية الصناعية في اللاذقية لأنهي دراستي فيها موسم 1961 م/1962 م ليبدأ عملي في تلفزيون دمشق، وكنتُ في هذه المرحلة محاصرا حصارا بالشِّعر الذي كنتُ أكتبه بسهولة عجيبة وكأنه يجري مع أنفاسي، ولم يكن لي أستاذ أو معلم ألجأ إليه إلا لُماما، ولم يعهد أني أخطأتُ في العروض أبدا مع أنني كتبتُ كثيرا على بحر الخفيف والطويل والكامل.
تزوجتُ في تموز عام 1964 م، وقبل الخامسة والسبعين كان لي أربعة أولاد… أُوفِدتُ إلى بريطانيا في مهمة تلفزيونية للتدريب على أجهزة الإرسال التلفزيوني مدة خمسة أشهر انتهتْ في الشهر الخامس من عام 1965 م.
* ماذا كنتَ تعملْ حينذاكَ؟
ـ اشتغلتُ محررا في صحيفة الثقافة الأسبوعية لصاحبها الأستاذ الشاعر مدحت عكاش، تعرفتُ على عدد من الشُّعراء المعروفين.
* هلْ زرتَ الشِّعر أَمْ زاركَ؟
ـ الشِّعر زائر محبب، وهو الذي بدأتْ زياراته مبكرة، وربما مبكرة جدا، مثل قصديتي «حس قلب» عام 1961 م، ومثلها غير قليل.
كان الشِّعر صديقا حميما قلّما فارقني أو تخلّى عن زيارتي، ولقد تضمنتْ مجموعتي الشِّعرية الكاملة التي صدرت عن مكتبة العبيكان في الرياض عام 2005 م بعضا من تلك القصائد، وفيها ما يدل على تمكني منذ البداية في قول الشِّعر الذي كان ناضجا أو اقرب ما يكون إلى النضج الأدبي واللغوي.
* هلْ كتبتَ في كُلّ أوزان الخليل الفراهيديّ؟
ـ كتبتُ الشِّعر في معظم أغراضه ومناسباته، وعلى معظم البحور بكل يُسر، وكنتُ أتحسس وأتألم إن سمعتُ جوازا في العروض أو قرأتُه.
* ما أُفق الخيال في أشعاركَ؟
ـ الخيال من أجمل ما يجعل الشِّعر قريبا إلى النفوس، يحرك فيها الإحساس بالجمال ويلهمها السباحة معه، وللتخيل دور ظاهر وبارز في شِعري لا سيما في المراحل الأولى.
* ما مَخاضات قصيدتكَ «دمشق الفيحاء»؟
ـ دمشق لها سحرها وعبقها وحاضرها الطاغي، وأحسب أنه طغيان محبب، ولي في دمشق عشرات القصائد جمعها ديوان «عليكم بالشام»، ثم جُمعتْ في ديوان صدر منذ عامين بعنوان «لأنها الشام» عن دار المكتبي، وكله بخط اليد الجميل.
أما أن يكون المقصود من سؤالك قصيدة «فتاة أمية» فقد أدخلتني في طوق المساءلة السياسية لجرأتها الزائدة في طرح قضايا الأمة… وأما قصيدتي عن الشام يوم تكريمي في مكتبة الأسد الوطنية بمناسبة فوزي بالجائزة الثانية في مسابقة «شاعر العرب» عام 2009 م، هذا مطلعها:
حَنَانُكِ لَا تَرُدِّي لِي زِمَامِي
فَأَنَّى سِرْتِ بِي أَهْوَى مَقَامِي
فَحُبُّكِ يَا دِمَشْقُ دَوَاءُ دَائِي
بِهِ هَيْهَاتَ أَشْكُو مِنْ سِقَامِي
وَأَحْسَبُ أَنَّنِي مُذْ كُنْتُ ذِرًّا
قَضَى رَبِّي بِحُبِّي لِلشَّامِ
* ماذا قال النّقّاد عن أشعاركَ؟
ـ أحسبه أنه كثير نسبيا، وحسبك منه ما قاله نقاد مسابقة «شاعر العرب» جميعا، وهو منشور إلكترونيا، ومن قدموا لكتبي كثيرون منهم العلامة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي (يرحمه الله)، والدكتور محمد عمارة، والدكتور محمد راتب النابلسي، والدكتور حسان طياف، والدكتور محمد عبده يماني، وخالد مشعل، وأحمد معاذ الخطيب.
وهناك مقالات في كثير من المجلات مثل «الوعي الإسلامي».
* وماذا عن كِتاباتكَ الـمَسرَحيّة؟
ـ بدأتْ بمسرحية «جند الكرامة» عام 1971 م، وتلتها مسرحيات للأطفال، أما عن الحلقات الإذاعية التمثيلية فهي بالمئات، وأكثرها وأهمها كان لإذاعة جدة أواسط السبعينيات والثمانينيات.
* ما مُستقبَل الأدب والنّقد العربيّيْن؟
ـ أحسب أن الربيع العربي الذي جاء زمهريرا سيتمخض عن مستقبل أدبي واعد فيه كثير من التطور عما كان مألوفا قبل ذلك الزمهرير الفتاك… فقد تعودنا بعد سقوط الثلوج التي تتسرب إلى أعماق الأرض لتخرج أطيب النبات، وهكذا أنظر إلى مستقبل الثقافة والنقد في المستقبل القريب الذي أرجوه واعيا ومخلصا، نحن كل يوم أمام قصائد مهمة جدا، وبدا نضج الشباب الذي تجاوز مراحل كان عليهم أن يمروا عبرها ويعايشونها.
* بِصفتكَ ناشِرا؛ ماذا تقول لأهلِ القلم المتضرّرين منَ الأسعار المرتفعة للطِّباعة والنّشر؛ ومنهم العاجزون؟
ـ لم يعد لي أدنى علاقة بالنشر منذ سنوات، حيث تولى أمر النشر ولدي البكر المهندس رفاعة ودوره في طباعة القرآن الكريم، وأعان الله الناشرين لكساد بضاعتهم في هذه المرحلة الصعبة من عدم اهتمام القراء العرب بالقراءة بصورة عامة مكتفين بوسائل التواصل وما تقدمه من ثقافة مجانية.
* هلْ حقيقة أنّ الثّقافة مُشكِلة في العالَم العربيّ؟
ـ لا أريد أن أتكلم عن مشكلة الثقافة في العالم العربي الممزق المتناحر، إن ثقافته الحالية كحالته السياسية لامتلاك وسائل الإعلام مِمّن هُم أحد أعداء الثقافة المرجوة لإعادة هذه الأمة إلى مكانتها التي تنتظرها بين الأمم رائدة منقذة.
* كيْف تُقيِّم أداء «رابطة الأدب الإسلاميّ»؟
ـ أما عن أداء «رابطة الأدب الإسلامي» فإنها تتطلب مساحات أوسع وآفاقاً أرحب وجهوداً، حاليا إمكانات غير متاحة كما نتمنى لها، ولما أُنشِئتْ له.
* هلْ أخذ عُمر الأميريّ وعُمر أبو ريشة ونجيب الكيلانيّ حقوقهم منَ الإعلام والصّحافة؟
ـ هؤلاء الرواد العمالقة في الشِّعر والأدب، واجبنا أن نستفيد مما أتاهم الله، ومهما عملنا من دراسات عنهم فإنه يبقى علينا البحث لنستفيد من إبداعاتهم… إن تقصير إعلامنا ودور نشرنا –عما يستحقون- ليس له أي مبرر إذا أردنا أن نكون مخلصين لأنفسنا فإنهم قد أمضوا لما قدموا ولم يعد مفيدا لهم مهما عملنا من أجل إبداعاتهم.
ولقد كُتِبتْ عدة دراسات ومحاضرات عن بعض هؤلاء، وقد صدرتْ لي دراسة عن الشاعر الكبير المجدد عمر أبي ريشة عن مؤسسة البابطين تضم 400 صفحة.
* ألا تَرى أنّ «العولَمة» تَسعَى إلى تقويض جهود النّشطين في الحقل الثّقافيّ عمومًا؟
ـ العولمة من أخطر الخطر على كل الحقول والمجالات والصُّعُد، واشد ما أرى خطورتها على «الأدب الإسلامي» الذي لا يملك ما تملكه هذه «العولمة الصهيونية»، وما أشد خطورة منها المستأجرون لها، والناعقون بما تمليه عن الغافلين والمتغافلين، عمي البصائر والأبصار… والأشد والأخطر من خُدِعوا بهم وأمدوا لهم بما يملكون.
* سعيدٌ بكَ اليومَ أستاذ؛ كرمًا لا أمرا؛ اختمِ الحوار.
ـ شكري وتقديري، أرجو لكم التوفيق إن شاء الله.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.