النفوذ الإيراني المزعوم في المنطقة

احمد المقدادي
يتردد هذه الايام بكثرة وبدرجة اخف من قبلها، ان الاتفاق النووي الذي أبرم بعد مفاوضات ماراثونية بين الجمهورية الاسلامية ومجموعة الدول الخمس دائمة العضوية وألمانيا قد ساعد طهران على تقوية نفوذها الإقليمي، الامر الذي جعل الرئيس الاميركي دونالد ترامب يدعو الى مراجعة هذا الاتفاق وربطه بما يسمى النفوذ الإيراني في المنطقة وكذلك برنامجها الصاروخي. وبلحاظ ما يحيط بها من قواعد أميركية من الجهات الاربع بينما لا يتوانى مسؤولون أميركيون عن الدعوة الى الاطاحة بنظامها السياسي، ويخصصون الاموال لجماعات معارضة لزعزعة الاستقرار فيها، وبنفس الوقت، يهدد كيان الاحتلال الإسرائيلي باستهداف المؤسسات النووية الايرانية وقد نفذ عمليات اغتيال علماء نوويين في قلب العاصمة طهران، فان إيران لا تحتاج الى كثير تبرير لامتلاك برنامج صاروخي ردعي ضد من يعمل على تهديدها وزعزعة استقرارها سرا وعلانية. لكن ما قد يتطلب توضيحا أو تفصيلا هو ما يتردد عن نفوذ إيراني في دول عربية يهدد الأمن القومي العربي. وان على طهران ان تتوقف عن التدخل في دول مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن. وفي استقراء لطبيعة التدخل الإيراني في هذه الدول، يمكن الاستنتاج أن التدخل الإيراني في العراق هو في حقيقته علاقات صداقة وتعاون مع النظام السياسي الجديد في العراق بعد ان حاولت دول عربية عزله وعدم منحه الشرعية وحتى تركه مكشوفا أمام الارهاب ومسلحي داعش فيما بادرت ايران بشكل عاجل لدعم العراق في وجه هجمة ارهابية هددت بغداد ومدنه الدينية المقدسة. ويجب عدم النسيان، ان رجال العهد الجديد في العراق كانوا من معارضي حكم صدام الدكتاتوري، وكانت قد أغلقت في وجوههم أبواب الدول العربية ولم تستضيفهم سوى ايران وسوريا. وأما في لبنان، فالتدخل الايراني هو دعم لشعب يحتل أراضيه كيان الاحتلال الإسرائيلي بينما كان محمد انور السادات رئيس اكبر دولة عربية يوقع معاهدة سلام مع تل ابيب ودول عربية اخرى تقيم علاقات سرية مع هذا الكيان. فالتدخل الايراني المزعوم في لبنان اثمر تحريرا لجنوب لبنان، وكسر خرافة الجيش الاسطوري في أكثر من موقعة وجعل الاحتلال يعيد حساباته ويتأنى ويتحسس مستوطناته ومدنه عندما يفكر بالاعتداء على لبنان. وفي سوريا، فالأمر واضح للعيان وهو ان جماعات مسلحة تحمل فكرا إلغائيا ومتطرفا مدعومة من دول تريد الانتقام من سوريا لدعمها محور المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، كانت تريد اسقاط الحكومة السورية وتأسيس دولة طالبان جديدة، فبادرت ايران الى دعم الحكومة السورية في مقاتلة هذه الجماعات ثم تشكلت فيما بعد تحالفات دولية بقيادة واشنطن لمقاتلة هذه الجماعات. وأما في اليمن، فشعبه يتعرض إلی حصار بري وبحري وجوي خانق وتتساقط على رؤوس ابنائه القنابل والصواريخ يوميا في حرب شاملة اعلنتها جارته الشمالية، السعودية. فكيف يمكن لإيران ان تتدخل ؟ وكيف بها ان تدخل الى الأراضي اليمنية ؟ لكن الحقيقة ان اليمنيين أرادوا الاستقلال فرأت السعودية في ذلك تهديدا لأمنها القومي وخروجا لليمن من دائرة نفوذها الإقليمي التقليدية. وهنا يمكن التساؤل؛ لماذا ترى السعودية لنفسها الحق في شن حرب على شعب مجاور وشقيق لها بذريعة أمنها القومي بينما تنكر على ايران علاقات وتعاون مع الحكومة العراقية أو السورية، أو تعاونها مع اللبنانيين لتحرير أرضهم ؟ وهل يمكن نسيان ما عملته السعودية من أجل وأد ثورات الربيع العربي بذريعة وصول الإسلاميين وخاصة جماعة الإخوان المسلمين الى سدة الحكم في دول مثل مصر وتونس واليمن ؟ ألم تخصص المليارات لإسقاط نظام محمد مرسي في مصر ؟ ألم تدعم جماعات مسلحة في سوريا وليس فقط جيش الإسلام بالمال والسلاح ؟ ألم ترسل المدرعات لقمع ثورة اصلاحية في البحرين ؟ ألم يكن الفكر الوهابي ودعاته السعوديون قادة وأمراء في الجماعات المسلحة المتطرفة في العراق وسوريا وغيرهما ؟. فالسعودية تبرر لنفسها اسقاط حكومات ودعم جماعات مسلحة متطرفة وشن حروب ومحاصرة دول «قطر مثالا» لحماية نفوذها الاقليمي بل وتحذو حذوها دولة صغيرة مثل الامارات في الطمع في جنوب اليمن ونشر الفوضى فيه والتمدد الى الصومال والى ليبيا بحثا عن نفوذ اقليمي. وها هي تركيا تحتل اراضي واسعة من الشمال السوري تحت مسمى حماية الامن القومي التركي، وها هي مصر تتدخل استخباريا وعسكريا في ليبيا لحماية امنها القومي، والقواعد الاميركية والبريطانية تغزو دولا عربية وإسلامية. مرة اخرى، كما هو الحال مع الملف النووي الإيراني المغلق تقنيا «كما تؤكد الوكالة الدولية للطاقة الذرية» لكنه مفتوح سياسيا برغبة ترامبية، فإن النفوذ الإيراني المزعوم في المنطقة أيضا مسيس بامتياز ومحرف بشكل واضح، وتضخيمه أو التهويل منه ينم عن فشل السعودية و«اسرائيل» في تنفيذ مخططاتهما في المنطقة وتوسيع نفوذهما فيها ولذلك تُفعل اللوبيات وتُدفع المليارات كي يتمرد ترامب على اتفاق دولي ويطالب بربطه بالنفوذ الإيراني المزعوم وما هو إلا علاقات وتعاون مع حكومات شرعية أو مع جماعات مقاومة تريد تحرير أراضيها أو لدعم من يقاتل الارهاب والتطرف في المنطقة ولكن زعماء الغرب مارسوا التضليل والتزييف من قبل من أجل نفوذهم في المنطقة ولن يترددوا في تكرار الأمر من جديد.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.