قبل أن تحل الكارثة

شرعت تركيا فِي عام 2006م بإنشاءِ سدٍ عملاق عَلَى نهرِ دجلة فِي موقعٍ قريب مِنْ قرية «إليسو» الَّتِي حمل اسمها مِنْ أجلِ توليد طاقة كهربائية مقدارها (1,200) ميغا واط بواسطةِ محطات الطاقة الكهرومائية؛ لأجلِ تغطية احتياجات نحو مليوني أسرة تركية مِن الطاقة، فضلاً عَنْ تخزينِ المياه وَالتحكم فِي فيضان النهر بالاستنادِ إلى ما أعلنت عَنْه الحكومة التركية. وَيُعَدُّ سد إليسو الَّذِي تصل طاقته التصميمية إلى ما يقرب مِنْ (10,4) بليون متر مكعب أحد المنشآت الَّتِي خطط لتنفيذها ضمن مشروع جنوب شرقي الأناضول الَّذِي يتكون مِنْ (22) سداً. وَالمذهلُ فِي الأمرِ أَنَّ هناك أصواتاً تركية – وليست عراقية – عارضت منذ البداية فكرة إنشاء هذا السد؛ نتيجة تيقنها مِنْ أَنَّ تركيا لا تعاني أزمة فِي الطاقة تفرض عليها الركون إلى إقامة السد موضوع البحث.
المثيرُ للاهتمامِ أَنَّ الجهاتَ المحلية المعارضة لإقامة سد إليسو، تفنّد حجج القيادات الإدارية التركية فِي إشارتِها إلى أَنَّ الهدفَ الرئيس مِنْ بناءِ السد متأتٍ مِنْ محاولةِ الحكومة التركية تحقيق تنمية اقتصادية فِي المناطقِ التركية الواقعة جنوب شرقي الأناضول، وَالَّتِي أهم ما يميّزها هو الحاجة إلى تحسينِ نوعية الحياة والارتقاء بمستوى التعليم، بالإضافةِ إلى معاناتها مِن الارتفاعِ الحاد فِي نسبةِ البطالة والفقر؛ إذ مِنْ المؤكّـدِ أنَّ بمقدور هذا المشروع العملاق المساهمة فِي إيجادِ فرص عمل للسكانِ المحليين فِي هذه المنطقة، وَالَّذين لا تتيسر لهم فرص عمل سوى المتاح فِي قِطاع «البناء»، حيث تفتقر المنطقة إلى قِطاعاتٍ إنتاجية أخرى بوسعِها تغطية حاجة الأهالي إلى كسبِ قوتهم.
لا رَيْبَ أَنَّ مشكلة المياه العراقية بفعلِ التجاوزات التركية لم تكن وليدة اللحظة الراهنة، إنما تعود إلى سنوات مضت؛ بالنظرِ لغياب الرؤى الحكومية الَّتِي مِنْ شأنِها المساهمة فِي الحفاظِ عَلَى معدلٍ معقول لاطلاقاتِ المياه فِي بالأنهار العراقية، وَالَّتِي شهدت تناقصاً حاداً فِي المدةِ الماضية، الأمر الَّذِي ألزم إدارة الموارد المائية العراقية العمل بأسلوبِ المناورة فِي الحجوم المتاحة بنهر دجلة مِن المياه، حيث اضطرت إلى تعويضِ النقص الحاصل فِي مناطقِ حوض الفرات مِنْ خلالِ تمرير قسم مِن مياه نهر دجلة إلى نهرِ الفرات، وكأنها اقتنعت بالرؤيةِ التركية الَّتِي تقوم عَلَى التعاملِ مع نهري دجلة والفرات بوصفِهما حوض واحد وليس حوضين، ولكن يبدو أنَّ الأمورَ تفاقمت وبدأت تأخذ منحى يصعب معه تعامل الحكومة العراقية حتى مع المناورة المذكورة آنفاً؛ إذ تشير توقعات المتخصصين فِي قِطاعِ الموارد المائية إلى عدمِ إمكانية إتاحتها فِي القادمِ مِنْ الأيام.
تأسيساً عَلَى ما تقدم، يمكن القول إنَّ ما حلَ بنهرِ الفرات مِنْ كارثةٍ أفضت إلى اعتمادِ بعض المناطق الزراعية فِي حوضه عَلَى مياه شقيقه نهر دجلة فِي طريقِها للحدوث مع نهر دجلة، وهو الأمر الَّذِي يجعل الحكومة العراقية فِي مواجهةٍ صعبة مع التداعياتِ المترتبة عَلَى إملاء خزان إليسو.
فِي أمَانِ الله..

لطيف عبد سالم

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.